محمد نبيل محمد يكتب : الصورة الذهنية لنصر أكتوبر وهزيمة كيبور 

جولدا:"أخذتنا المفاجأة وخدعتنا تقارير مخابراتنا"

الكاتب محمد نبيل

“وجه بعض الجنود أسئلة لم أجب عليها” وتستطرد:”الغضب كان مسيطرا علىّ إزاء رفض رفاقى الاشتراكيين فى أوربا السماح لطائرات الفانتوم والسكاى هوك بالهبوط للتزود بالوقود كجزء من عملية الجسر الجوى”..وهكذا كانت جولدا تتسول عطف الدول الأوربية، وتستجدى بإستماتة مساعدتهم ليسمحوا لطائرات الكيان من أن تنزل بمطارات أوربا للتزود بالوقود، ومواصلة الحرب على مصر، لكن لم يلق طلبها آذان تسمعه، أو آياد تدعمه، مما حمّل جولدا على التواصل مع بويلى براندات، وهو الرجل الذى يحظى بإحترام كبير فى الاشتراكية الدولية، لتطلب منه تنظيم مؤتمر للدول الاشتراكية وأحزابها لتتحدث معهم، وحقيقة الأمر هى كانت تريد أن تتسول الدعم من الدول الاشتراكية، وقالت له:”أريد أن أعرف لنفسى ما هو معنى الاشتراكية، إذا لم تكن دولة اشتراكية واحدة من كل أوربا مستعدة لمساعدة الدولة الديمقراطية الوحيدة فى الشرق الأوسط”..وهنا يتجلى شعور جولدا بالخوف من نتائج الحرب المصرية عليهم، وترى بحتمية الدعم الأوربى لجيش الدفاع، وبالفعل تم عقد الإجتماع التى دعت إليه جولدا فى لندن بمشاركة الأحزاب الحاكمة فى دولها، ومعها الأحزاب المعارضة ـ أيضا ـ وتتحدث جولدا عن هذا الإجتماع بأنها عرضت قضيتها والمتمثلة فى طلب الدعم اللوجستى والعسكرى المباشر من الدول الأوربية فى أثناء حرب الكيان مع المصريين، وبدأت جولدا الكلمة:”فأبلغت زملائى الاشتراكيون كل تفاصيل الموقف، وكيف أخذتنا المفاجأة، وكيف خدعتنا النوايا الطيبة، وإيماننا بالتفسيرات التى قدمتها لنا تقارير مخابراتنا، ثم كيف حاربنا”..من المؤكد أن جولدا تستميت فى انتمائها للاشتراكية الدولية حتى تستفيد من هذه الدعوة الأممية لدعمها أمام المصريين، لكن خاب رجاء جولدا رغم تملقها للاشتراكيين، تماما كما فعلت فى السابق ـ القريب ـ مع الولايات المتحدة، وكما أن مطالبها لدى أمريكا كانت تحدها مصالح أمريكا نفسها مع الشرق الأوسط، كذلك وقف بترول الشرق الأوسط والمصالح الغربية فى المنطقة حائلا أمام تحقيق جولدا لأهدافها من هذا الإجتماع، ويتجلى هذه النتيجة فى اعترافاتها:”إننا دولة يهودية صغيرة واحدة، وأن هناك عشرين دولة عربية كبيرة المساحة، ولاحدود لنفطها أو ملايين دولاراتها”..وتعترف جولدا بضعف امكانات دولتها أمام قدرات الدول العربية، وكذلك تنظر بواقعية برجماتية، لموقف الدول الأوربية التى آثرت مصالحا فى الشرق الأوسط على دعمها للكيان، وهنا تأكدت جولدا أن مصالحها الحقيقية مع الولايات المتحدة فهى الوحيدة القادرة على دعمها، وآن أجبرت أمريكا الكيان على بعض التنازلات حتى تحفظ أمريكا لنفسها مصالحها ـ أيضا ـ فى الشرق الأوسط، وتعترف بالرفض الأوربى الصريح:”وعقب انتهاء حديثى سأل رئيس الإجتماع عما إذا كان هناك من يريد أن يتحدث، فلم يتحدث أحد، وفجأة إنبرى أحد الجالسين” وتستطرد على لسان هذا الشخص:”إنهم لا يريدون أن يتحدثوا.. فالنفط يخنق حلوقهم”..ويبدو أن هذا الصوت الوحيد قد وصف الحال الأوربى تجاه الكيان، وهى تقول عنه وعن الإجتماع”لقد قال هذا الرجل الذى لم أر وجهه كل شىء”..لذا كان من البرجماتية لدى جولدا أن تتوجه إلى كيسنجر ـ ثانية ـ ورئيسه نيكسون، فلا أمامها سوى الدعم الأمريكى، فى مواجهتها مع المصريين، لكن النصر العسكرى المصرى قد فاق حد الدعم الأمريكى، فضلا عن تضمن خطة الخداع الاستراتيجى عند المصريين مراعاة حال الانتخابات الأمريكية حتى لا تتفرغ امريكا تماما للكيان، بل تنشغل بالداخل الأمريكى إلى حد كبير، فما كان أمام جولدا سوى الاعتراف بالتفوق المصرى العسكرى والسياسى والمخابراتى، لذا كان سعى جولدا الأكبر هو تدخل أمريكا لدى المصريين وأيضا دفع الأمريكان للروس بالتدخل بالتوسط لدى المصريين بالإلتزام بقرار وقف إطلاق النار، وتعترف:”وكانت النقطة الجوهرية فى محادثاتى مع كيسنجر هى خطوط وقف اطلاق النار فى الجنوب” وهى تقصد بحرب المصريين فى سيناء التى استنزفت قدرات جيش الدفاع، بل وأهدرت كرامته، وصفعت كبرياءه العسكرى، وتعترف جولدا بأن الأمر ليس بالسهل:”ولم تكن المحادثات سهلة أو باعثة على السرور”..وللقارىء العربى والعبرى والغربى هنا يتجلى اعتراف جولدا مائيير ـ بعد فشلها فى الدعم الأوربى ـ بترجى واستجداء أمريكا لتنفيذ المصريين لوقف اطلاق النار حفاظا على ما تبقى من جيش الدفاع!.

والكثير من مرارة الإعتراف سيأتى ذكره تاليًا إن شاء الله.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.