دكتور هاني عمر الناظر يكتب: نهايه الحرب الإيرانية الأمريكية وانعكاسها علي الاقتصاد العالمي

مع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب توقيع اتفاق مع إيران، تنفس العالم الصعداء بعد أشهر من التوترات العسكرية التي ألقت بظلالها الثقيلة على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والتجارة الدولية. فمنذ اندلاع المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى منذ فبراير الماضى والتى تجاوزت حاجز ال100يوم ، ويعيش العالم حالة من القلق والترقب خشية اتساع رقعة الصراع وتحوله إلى مواجهة إقليمية مفتوحة تهدد استقرار المنطقة والعالم. وقد دفعت اقتصادات العالم على اختلاف مواقعها الاستراتيجية من المواجهة ثمن الحرب سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، حيث شهدت الأسواق حركة اضطرابات حادة، وارتفعت تكاليف النقل والتأمين، ودخلت الاقتصادات نفق التضخم وتراجعت النظرة التفاؤلية بعد اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار الطاقة والمواد الخام ، وهو ما كان له تأثير مباشر على الشعوب.
.ورغم أن الاتفاق يمثل خطوة مهمة نحو خفض التوتر وإعادة الاستقرار إلى المنطقة، فإن تداعيات الحرب لن تختفي بين ليلة وضحاها، إذ سيحتاج الاقتصاد العالمي إلى وقت لاستعادة توازنه والتعافي من الخسائر التي تكبدها.
ومع ذلك، يبعث الاتفاق برسالة مهمة مفادها أن الحوار والتفاوض يظلان الخيار الأقل كلفة والأكثر قدرة على تحقيق الاستقرار، مقارنة بآلة الحرب التي لا تخلف سوى الخراب والتدمير وتراكم الأزمات.
الحرب التى بدأت فى الثامن والعشرين من فبراير الماضى أحدثت شرخا كبيرا فى الاقتصاد العالمى ولكى نعلم مدى تأثيرها الكارثى لا بد من أن نستعرض الأرقام التى تكشف حجم الخسائر.
حيث تلقت الأطراف المباشرة في النزاع تأثيرات التداعيات و تجرع الاقتصاد الأمريكي الأكبر عالميا مرارة هذه المواجهة، فقفزت معدلات التضخم إلى مستويات قياسية لم تشهدها البلاد منذ اندلاع الأزمة الروسية الأوكرانية، مدفوعة بالصعود الحاد لأسعار النفط في الأسواق الدولية، ليسجل تضخم أسعار المنتجين في أبريل الماضي نسبة 6%.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل دفعت كلفة العمليات العسكرية الديون السيادية للولايات المتحدة إلى مستويات حرجة، مما وضع ترامب في مأزق سياسي حرج، لا سيما مع اشتداد الضغوط الداخلية واقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي للكونجرس.
وفي هذا السياق، عكس استطلاع للرأي أجرته صحيفة “فاينانشال تايمز” استياء شعبيا، حيث أبدى 58% من الأمريكيين عدم رضاهم عن آليات تعامل إدارة ترامب مع أزمة غلاء المعيشة، وتأتي هذه الرؤية المتشائمة نتيجة المعاناة اليومية من الضغوط التضخمية الحادة، والارتفاع غير المسبوق في أسعار الوقود الذي ألقى بظلاله على كلفة النقل، وشحن السلع الغذائية، ومستلزمات الإنتاج، لتشتعل موجة غلاء جديدة أصابت الأسواق وأضعفت القدرة الشرائية للمواطن الأمريكي ، بالتزامن مع تصاعد أعباء خدمة الديون الناجمة عن التمويل العسكري.
وقالت “فاينانشال تايمز”، إن العبء المالي الإضافي الذي تحمله المستهلك الأمريكي نتيجة قفزة أسعار البنزين والديزل قد قدر بنحو 41.5 مليار دولار، وهو ما يعادل كلفة باهظة تبلغ 316 دولاراً لكل أسرة أمريكية. ولتوضيح فداحة هذا الرقم، فإن هذا الإنفاق الإضافي يتجاوز ميزانية برنامج الاستثمار الفيدرالي لإعادة تأهيل الجسور والمعابر الرئيسية بالبلاد والمقدرة بـ 40 مليار دولار، كما يفوق كلفة تحديث نظام مراقبة الحركة الجوية الأمريكي بالكامل البالغة 31.5 مليار دولار.
وأفادت صحيفة “وول ستريت جورنال” بأن أسعار الجالون الواحد من البنزين في السوق المحلية تجاوزت الـ 4 دولارات للمرة الأولى منذ أربع سنوات، لتستقر مسجلة ارتفاعا قياسيا بنسبة 51% ، كما قفز الديزل بنسبة 54% ليصل إلى 5.65 دولارات للجالون.
و أكدت شبكة “سي إن إن بيزنس” أن الحرب أطاحت رسمياً بالآمال المعقودة على كبح جماح التضخم؛ إذ قفز مؤشر أسعار المستهلكين (CPI) إلى معدل سنوي بلغ 3%، متجاوزا المستهدفات الرسمية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي بمقدار نقطة مئوية كاملة (1%)، وفي ظل هذه المؤشرات الضاغطة، انحسرت ثقة الشارع بشكل حاد، حيث لم يعد يرى سوى 16% فقط من الأمريكيين أن وضع الاقتصاد “جيد”.
وعلى الجانب الآخر من المواجهة، واجه الاقتصاد الإيراني ضربات موجعة، وتشير توقعات صندوق النقد الدولي إلى أن طهران ستتجرع خسائر مباشرة وغير مباشرة تتجاوز عتبة الـ 300 مليار دولار جراء العمليات العسكرية والحصار البحري المفروض عليها، وسط مؤشرات على انكماش ناتجها المحلي الإجمالي بنسبة 6.1%، وقفزة عنيفة في معدلات التضخم قد تتجاوز حاجز الـ 70%.
ولم تقتصر شظايا الحرب على أطرافها فحسب، بل امتدت لتصيب الهيكل الاقتصادي العالمي في مقتل ، فقد كشفت منظمة العمل الدولية عن توقعات قاتمة تشير إلى أن سوق العمل العالمي سيفقد نحو 52 مليون وظيفة خلال العام الجاري والمقبل، مع تآكل في قيمة الأجور الإجمالية يلامس 4 تريليونات و100 مليار دولار.
أما غول التضخم العالمي، فبعد أن قاربت البنوك المركزية على إحكام قبضتها عليه ، عاد ليطل برأسه بضراوة من جديد، بعد الارتفاعات الحادة في أسعار الطاقة والتعطل الشامل للممرات المائية الحيوية، لتجد الدول النامية نفسها مجبرة على دفع الفاتورة الأكبر لهذه الفوضى.
وفي الوقت الذي كانت فيه سلاسل التوريد العالمية تعاني أساسا منذ جائحة كوفيد، جاءت هذه الحرب لتوجه لها ضربة ثانية مزدوجة ،حيث تضاعفت كلفة التأمين البحري في منطقة البحر الأحمر، واشتعلت أسعار الشحن والنولون، مما انعكس فوريا على أسعار السلع النهائية للمستهلكين في أسواق أوروبا وآسيا وإفريقيا على حد سواء.
وفي قطاع الطاقة، حذرت الوكالة الدولية للطاقة من أن الأضرار الهيكلية التي لحقت ببنية الغاز التحتية في منطقة الخليج ستسفر عن خسارة تراكمية ضخمة تقدر بنحو 120 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي المسال بين عامي 2026 و2030، الأمر الذي سيؤدي بالتبعية إلى إرجاء وتأخير التدفقات الطبيعية للغاز في السوق العالمي لعامين كاملين على الأقل.
ولم تكن منظومة الأمن الغذائي العالمي بمنأى عن هذه الهزة العنيفة، حيث كشفت منظمة الأغذية والزراعة بالأمم المتحدة (فاو) أن إغلاق مضيق هرمز تسبب في شلل تام لحوالي 30% من صادرات الأسمدة العالمية، وهو ما فجر قفزة فورية في أسعار اليوريا تجاوزت نسبتها 20% خلال الـ 48 ساعة الأولى فقط من اندلاع الأعمال القتالية.
وأكدت المنظمة أن هذا الإغلاق يمثل بداية “صدمة هيكلية” عنيفة في النظم الغذائية الدولية، متوقعة أن تظهر آثارها الكاملة والعميقة على الأسواق خلال فترة تتراوح بين 6 إلى 12 شهرا، نظراً لأن تعطل حركة الملاحة رفع كلفة المدخلات والمستلزمات الزراعية بشكل جنوني، وجعل البحث عن طرق تجارية بديلة ومعقدة مسألة حياة أو موت لتأمين الغذاء.
كما حذر “معهد الاقتصاد والسلام” (IEP) في تقريره السنوي الصادر فى ٩يونيو الجارى ، من أن الحرب وضعت النظام المالي العالمي أمام كلفة تدميرية غير مسبوقة قد تدفع بالاقتصاد الدولي إلى حافة ما أسماه التقرير بـ”التفتت العظيم”.
من جانبه، وصف صندوق النقد الدولي حرب إيران وإغلاق مضيق هرمز بالـ “صدمة العالمية العميقة” التي تدفع قسرا بالاقتصاد العالمي نحو منزلق الركود الحاد، وتفتح الباب أمام قفزات تاريخية في معدلات التضخم.
وخفض الصندوق توقعاته للنمو العالمي ليتراجع إلى 2% فقط، وهو المؤشر الذي يعني من الناحية الفنية دخول العالم في حالة ركود اقتصادي شامل.
و عدل الصندوق توقعاته للتضخم العالمي صعودا ليصل إلى 4.4%، مع وضع سيناريو قاتم يحتمل تجاوزه عتبة الـ 6% في حال تدهور الأوضاع، الأمر الذي أجبر البنوك المركزية على العودة لسياسة التقييد النقدي ورفع أسعار الفائدة.
وهذا المسار الانكماشي بدأ بالفعل على أرض الواقع، إذ سارع البنك المركزي الأوروبي إلى رفع أسعار فائدة الإيداع بمقدار 0.25 نقطة مئوية لتصل إلى 2.25%، في خطوة هي الأولى من نوعها منذ نحو ثلاث سنوات، يأمل من خلالها صناع السياسة النقدية في كبح جماح التضخم فى منطقة اليورو.
وفى مصر ورغم أن الحكومة اتخذت حزمة من السياسات والإجراءات المتكاملة والمستبقة، للحد من التداعيات السلبية للحرب، إلا أنه لا شك أن الاقتصاد المصري تأثر بشكل مباشر بتبعات الصراع ،بعد انخفاض حركة التجارة وتراجع الإيرادات الحيوية لقناة السويس، بالتوازي مع ارتفاع تكلفة واردات الطاقة وضغوطها الإضافية على الموازنة العامة، إلى جانب التراجع الملحوظ في تدفقات السياحة والاستثمار الأجنبي المباشر، وانخفاض تحويلات العاملين بالخارج.
وفى الختام ، ورغم كل الأرقام التي تعكس فداحة الفاتورة الاقتصادية التي تكبدها العالم، فإن نهاية الحرب تضع حداً لنزيف مالي يعصف بالمنظومة الدولية برمتها ، ولكن المشهد العالمي في مرحلة ‘ما بعد الحرب’ لن يكون أبداً كما كان قبلها، فالشرخ الجيوسياسي والاقتصادي الذي أحدثته المئة يوم الماضية كشف عورات سلاسل الإمداد وممرات الطاقة، وأعاد رسم خريطة التحالفات الإقليمية والدولية، لتبدأ من الآن مرحلة معقدة من إعادة ترتيب موازين القوى في العالم .