جهاد شوقى السيد تكتب: الأوبئة النفسية تجتاح الإنسانية!

مع التقدم المتسارع في العلم والتكنولوجيا، وسيطرة الآلة على جوانب متزايدة من الحياة اليومية، وظهور الذكاء الاصطناعي واستخداماته المتنوعة، أصبحنا نشهد تراجعًا ملحوظًا في الجانب الإنساني. وفي المقابل، ظهرت اضطرابات وأمراض تصيب النفس قبل الجسد، وأصبحت مصطلحات لم تكن متداولة بهذا الشكل في السابق جزءًا من أحاديثنا اليومية، مثل الاكتئاب، والتوتر، والنرجسية، والسادية، وانفصام الشخصية، وغيرها من المسميات التي باتت تتردد باستمرار بين أفراد المجتمع.
وأمام هذا الواقع، تبرز تساؤلات عديدة: هل نحن أمام ظاهرة طبيعية فرضتها متغيرات العصر، أم أن هناك من يتحكم في توجهات البشر وأفكارهم عبر التكنولوجيا الحديثة؟ وهل أصبح الإنسان خاضعًا لخطاب موحد ومنظم تبثه المنصات الرقمية التي تسللت إلى أدق تفاصيل حياته اليومية؟
لقد تحول الذكاء الاصطناعي لدى البعض إلى وسيلة للفضفضة، ومستشار لحل المشكلات الشخصية والأسرية، بل وأداة تعتمد عليها مؤسسات وكيانات كبرى في اتخاذ بعض القرارات. والأخطر من ذلك أن بعض الأشخاص باتوا يتعاملون مع ما تقدمه برامج الذكاء الاصطناعي باعتباره حقيقة مطلقة، سواء فيما يتعلق بنظرتهم لأنفسهم أو في إدارة علاقاتهم الأسرية والاجتماعية، وكأن هذه البرامج تمتلك الحقيقة الكاملة ولا تحتمل الخطأ.
غير أن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو: من يتحكم في هذه الأنظمة؟ فقد تم رصد بعض الحالات التي قدمت فيها تطبيقات الذكاء الاصطناعي نصائح أو توجيهات أثارت جدلًا واسعًا بسبب مخالفتها للقيم الإنسانية والأخلاقية فقد قدمت نصائح بالانتحار والقتل لفئات عمرية مختلفة اطفال ومراهقين وبالغين . كما يتساءل كثيرون عن حجم البيانات التي تجمعها التكنولوجيا الحديثة عن حياتنا ومشاعرنا وسلوكياتنا، ولصالح من يتم استخدام هذه المعلومات؟.
وفي السياق ذاته، أشارت دراسات عدة إلى أن الإفراط في استخدام الهواتف الذكية ومواقع التواصل الاجتماعي قد يرتبط بارتفاع معدلات القلق والتوتر والشعور بالاكتئاب لدى بعض الأفراد. كما أن محاولة تقليل استخدامها قد تخلق لدى البعض إحساسًا بالملل أو الفقد، بصورة تشبه إلى حد ما أنماط السلوك الإدماني.
ولم تقتصر التأثيرات على الفرد فقط، بل امتدت إلى الأسرة بأكملها. فقد أصبح الهاتف المحمول حاضرًا على مائدة الطعام، وفي غرف المعيشة، وحتى في أوقات اللقاءات العائلية، مما أدى إلى تراجع الحوار الأسري والتواصل المباشر بين أفراد الأسرة. ولم تعد العائلات تناقش شؤونها اليومية كما كان يحدث في السابق، بل أصبح كل فرد منشغلًا بعالمه الرقمي الخاص.
ومن الظواهر اللافتة أيضًا انتشار الاعتماد على ما يُعرف بـ”الرويبضة” وبعض صناع المحتوى غير المتخصصين في الحصول على النصائح والمعلومات. فقد أتاحت بعض المنصات المجال لأشخاص يقدمون أنفسهم باعتبارهم خبراء أو متخصصين في مجالات مختلفة دون امتلاك المؤهلات اللازمة. وقد شهدت الساحة مؤخرًا حالات تم فيها ضبط أشخاص قدموا أنفسهم على أنهم متخصصون في مجالات معينة، بينما تبين لاحقًا أنهم لا يمتلكون أي تأهيل علمي يؤهلهم لذلك ومنهم من قدمت نصائح طبيبه على شبكات التواصل بل و قامت بافتتاح مركز للتغذية والعلاج وهي لا تحمل شهاده طبيبه وتبين انها تحمل درجه الليسانس حقوق !!فمن اجاز لها هذا غير شبكات التواصل الاجتماعي .
كما ساهمت بعض المنصات في انتشار خطاب الكراهية وتأجيج الصراعات بين الرجل والمرأة، بصورة تدفع نحو مزيد من الانقسام المجتمعي وتفاقم المشكلات الأسرية. وفي الوقت نفسه، انتشرت ظاهرة الحديث عن الاضطرابات النفسية، مثل النرجسية وغيرها، حتى أصبح كثير من غير المختصين يقدمون النصائح ويصدرون الأحكام النفسية دون علم أو خبرة، بعيدًا عن دور الأطباء والمتخصصين.
لقد أصبح التواصل الرقمي هو السمة الأبرز لعصرنا؛ فلكل منا حسابات وصفحات تضم مئات أو آلاف الأصدقاء والمتابعين، لكننا في المقابل نفقد تدريجيًا قدرتنا على التواصل الحقيقي مع أفراد أسرنا، بل ومع أنفسنا أيضًا. وبينما تزداد الضوضاء الرقمية من حولنا، يظل السؤال مطروحًا: ماذا أصاب البشرية في هذه الحقبة؟ وهل أصبح الإنسان أسير التكنولوجيا التي صنعها بيديه، أم أنه ما زال قادرًا على استعادة التوازن بين التقدم التقني واحتياجاته الإنسانية؟