عبد الناصر البنا يكتب : الدهابة .. صداع فى رأس الدولة !!

عبد الناصر البنا
الحكاية ليست وليدة اللحظة .. أو وليدة عمليات عسكرية قامت بها القوات المسلحة مؤخرا دكت خلالها جحور التشكيلات العصابية والميليشيات المسلحة التى تسللت داخل الحدود المصريــــة ، أبدا .. الحكاية بدأت من زماااان ، تقدر تقول من 30 أو 40 سنة فاتوا ، لما بدأت عمليات ” التنفيب ” غير المشروع عن الدهب على طول حدودنا الجنوبيـــة ، وفى واقع الأمر الموضوع ليس ببسيط ، الموضوع متعلق بأمن مصر القومى ومتعلق بخيراتها وثرواتها وإقتصادها القومى ، متعلق أيضا بعقيدة المقاتل المصــــرى الذى ” يحمى .. ولايغزو ” ، متعلق بحدود مصر وهى ” خط أحمر ” لمن تسول له نفسه أن يقترب !! .

ملف ” الدهابة ” كان من الملفات المسكوت عنها لفترة طويلة ، لكنه أبدا لم يغب عن نظر الدولة المصرية وأجهزتها الإستخباراتية والسيادية من أمن عام ووطنى .. إلخ  ،

الملف كان مسكوتا عنه على الأقل فى وسائل الاعلام لسنوات طويلة ، وظهوره عادة مايكون عند وجود صراع على النفوذ فى أماكن التنقيب ، ويكون السلاح هو الأقرب لحل تلك الخلافات ، كما حدث مؤخرا فى جبل ” أم الحويطات ” بمدينة سفاجا ، عندما نشب الخلاف على ( الخفرة ) أو السيطرة الأمنية على الموقع ، وعلى أولوية التنقيب وإستخدم فيها وابل من رصاص بندقية ألية أُنهيت به حياة ” ثمانية ” أفراد من أبناء الصعيد المشاركين فى عملية التنقيب ، والطبيعى فى مثل هذه الأحوال أن يكون السلاح هو الحل العادل للخلاف وفقا لـ “شريعة الغاب ” .

على أرض الواقع هناك عائلات بعينها فى ( قنا وسفاجا والبحر الأحمر وأسوان ) تضخمت ثرواتها وظهرت عليها علامات الثراء الفاحش فجأة جراء التنقيب غير المشروع عن الدهب وعرفوا بإسم ” الدهابة ” ، عائلات إستعانت بخبرات عدد كبير من السودانيين والأفارقة فى عمليات التنقيب وبسطت نفوذها وسطوتها على مناطق جبلية غنية بالذهب والمعادن النفيسة فى المثلث الذهبى ” قنا سفاجا القصير ” ، وفى المناطق الحدودية مع السودان قرب حلايب والشلاتين قى جبال ” إيقات والعقيدات ” وفى جبال النوبة فى أسوان وغيرها وإمتلك البعض منهم طواحين للذهب لدرجه انه فى محافظة قنا وحدها هناك 2500 طاحونة ذهب غير مرخصـــة ،
إن ماتقوم به هذه العائلات هو ( أقتصاد تعدين مواز ) أى إقتصاد غير رسمى مرتبط بالسلاح والتهريب بعيدا عن رقابة الدولة أو هكذا خًيل لتلك العائلات ، وأعتقد أن هذا يفسرملايين الجنيهات التىتم دفعها فى الإستحقاقات البرلمانية الأخيرة وماسبقها من أجل الحصول على مقعد فى البرلمان !! . وقد جنت على نفسها براقش .
السؤال البديهى : هل الجنوب مخترقا ؟
الحقيقة .. أن الجنوب لم يكن أبدا مخترقا ، كما يخيل للبعض ، قد تكون الدولة المصرية قد غضت الطرف مؤقتا عما يحدث فى الجنوب لتتفرغ لـ “قضايا ” أمن قومى عربية وإقليمية كانت تستدعى تكثيف الجهود حفاظا على أمن المنطقة العربية وعدم تفتيتها ، لكن لم يغب عن بالها ابدا مايحدث فى الجنوب والمؤامرات التى تحاك لجرجرة مصر وتوريطها فى حروب خارجية ، يخطط لها من قبل “حميدتى” الدعم السريع و “آبى أحمـــد” فى أديس أبابا ، وفى معيتهم الكيان الصهيونى ، وأشقاء عرب .
لكن حساسية هذا الملف تكمن فى تدهور الأوضاع الأمنيــة فى السودان بالقدر الذى أعطى الفرصـــة لـ ” نشطاء سودانيون ” على وسائل التواصل ، ولحزب الأمـــة القومى فى السودان على إعتبار أن ماقام به الجيش المصرى من عملية تمشيط وملاحقة للخارجين على القانون الذين  إخترقوا الحدود المصرية فى الجنوب بحثا عن الذهب وتهريبه ” ، أنه إعتداء على سيادة السودان ، والزعم بأن هذه المناطق تقع فى شمال السودان ” على غير الحقيقة ” والمطالبة بتحقيق دولى مستقل .. إلخ ، متناسين أن مصر لم تكن فى يوم من الأيام دولة معتدية ، وأنها دولة تحمى حدودها ولاتتهاون فى حماية أمنها القومى . وأنها من فتحت الباب لـ ” سبعة ” ملايين سودانى وأكثر ليتقاسموا لقمة العيش مع إخوانهم المصريين . ولايعقل أن تكون هذه الإتهامات الباطلة هى رد للجميل !!
ولايعقل أيضــــا ، بل وتحزن عندما يكون رد الجميل حملة ( يرجع فاضى ) أى الشاحنات المصرية المحملة بالبضائع المصرية التى يحتاج لها السوق السودانى ترجع فاضيــــة من غير بضائع سودانية كنوع من المقاطعة أو العناد التجارى ، وعندما تقرأ مثل هذه الأخبار تشعر وكأن هذه الناس كانت عايشة معزولة فى كهف سنين عددا ورجعت تانى فى زمن غير الزمن ، أى عناد تجارى مع مصر وثروات السودان المفترض أن تكون ” سلة الغلال ” فى العالم العربى منهوبة ، وثرواتها من ذهب ” دار فور ” الذى تقدر قيمته بالمليارات منهوبة ، وغارات الدعم السريع تدك البلدات والقرى ليل نهار تقتل الأبرياء ، وتغتصب الأعراض ، ولاصوت يعلو إلا على مصر التى قام جيشها بعملية تطهير مشروعة لحماية حدودها من المرتزقة والتشكيلات العصابية التى تريد نهب ثرواتها .
عندما تأتى البيانات الرسمية من القيادة العامة للقوات المسلحة لتحدثك عن أرقام مرعبة مثل ” القبض على مايقرب من الـ 100 ألف إخترقوا الحدود أغلبهم من السودان ودول أفريقية تسللوا فى هجرة غير شرعية ــ مزارع للمخدرات ـ وأطنان من المواد المخدرة ـ أطنان من المواد البترولية ــ معدات كهربائية ـ أجهزة متطورة للكشف عن المعادن وللدعم اللوجيستى ـ أسلحة متنوعة ـ أطنان من الأحجار المخلوطة بخام الذهب ـ بضائع وسجائر مهربة غير خالصة الرسوم الجمركية ــ مئات من السيارات مختلفة الأنواع ، مضبوطات قدرت قيمتها ب”40 مليار جنية ” فماذا تنتظر !!
قد يظن البعض أن السودان وحدها هى الدولة الغنيـــة بجبال الذهب ، لكن عندما تقرأ التاريخ ، تعلم أن فراعنه مصر كانوا ملوك الذهب ، وتجد أن الذهب أو ( نبو ) كان المعدن الأكثر أهمية وإستخداما ، ولذلك إعتبروه رمزاً لـ “إله الشمس” (رع) وللحياة ، وصنعوا منه الحلى والتوابيت الملكية والأقنعة ومنه صنع قناع الملك” توت عنخ آمون “, وغطوا به قمم المسلات ، والفراعنه هم من أطلقوا على أرض النوبة ( نوب ) أى أرض الذهب ، وكانت الأرض التى إعتمدوا عليها فى توريد الذهب مع جبال البحر الأحمر التى إكتشفوا فيها 120 منجماً لاستخراج الذهب ؛ لدرجة أنهم كانوا ” يقايضوا ” الذهب والفضة لكثرتها بالمنتجات الزراعية والحيوانية والمنسوجات ، وفى تجارتهم الخارجية إستخدموا فائض الذهب في استيراد المواد الخام النادرة مثل خشب ” الأرز والأبنوس ” من بلاد الشام وبلاد بونت ” الصومال حالياً ” .
وبقى أن أشير إلى أهمية الذهب الذى ينهب من الجنوب كونه يلعب اليوم دوراً محورياً في الاقتصاد العالمي ، وهو يُعد الملاذ الآمن لحفظ الثروات ، وأداة تحوط قوية ضد التضخم ، وعنصراً أساسياً في تعزيز الاحتياطيات النقدية للبنوك المركزية . ولذلك نأمل أن تكون الأحداث الأخيرة دافعا قويا للدولة المصرية لـ ” إستغلال ” تلك المناطق الغنية بالثروات والمعادن النفيسة للخروج من دائرة الديون والقروض التى ندور فى فلكها منذ سنوات .. حفظ الله مصر
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.