هناك لحظات لا تُقاس بما يمر عليها من سنوات ، ولكن بما تتركه من أثر في وجدان الشعوب ومسار أوطانهم، وتبقى ثورتنا العظيمة فى الثلاثين من يونيو ٢٠١٣ واحدة من تلك اللحظات التي استعاد فيها المصريون شعورهم بالقدرة على صناعة مستقبلهم، بعدما بدت الدولة وكأنها تقف أمام اختبار مصيري يهدد هويتها واستقرارها ومستقبل أجيالها القادمة.
و على مدار 13 عامًا ، واصلت الدولة المصرية مسيرة إعادة البناء وترسيخ دعائم الاستقرار، في ظل بيئة إقليمية ودولية اتسمت بتعقيدات غير مسبوقة، شملت تصاعد الصراعات المسلحة والأزمات السياسية والاقتصادية التي شهدتها المنطقة والعالم.
وخلال هذه الفترة، واجهت مصر العديد من التحديات المرتبطة بأمنها القومي، بدءًا من التطورات المتلاحقة في قطاع غزة، مرورًا بالأوضاع في ليبيا والسودان، وصولًا إلى تداعيات الأزمات في البحر الأحمر واليمن، وما فرضته من تحديات أمنية واقتصادية وجيوسياسية ، ناهيك عن الحروب والصراعات الدولية ، مثل الحرب الروسيةالأوكرانية وأخيرا وليس آخرا الحرب بين أمريكا والكيان الصهيوني وإيران .
ورغم تلك الظروف، تمكنت الدولة المصرية من الحفاظ على استقرارها الداخلي وتعزيز قدراتها في حماية أمنها القومي، بما أسهم في تجنيب البلاد تداعيات الفوضى وعدم الاستقرار التي شهدتها بعض دول المنطقة.
كما انتهجت مصر سياسة خارجية قائمة على التوازن والانفتاح، حافظت من خلالها على استقلالية قرارها الوطني، وعززت علاقاتها مع مختلف القوى الإقليمية والدولية، بعيدًا عن سياسة المحاور والاستقطابات الحادة.
وفي السياق ذاته، شهدت السنوات الماضية تعزيزًا للحضور المصري داخل القارة الأفريقية، إلى جانب تنشيط دور القاهرة في المنظمات والمؤسسات الإقليمية والدولية، الأمر الذى دعم مكانتها كشريك رئيسي في ملفات التنمية والأمن ومكافحة الإرهاب وتسوية النزاعات.
وأثمر هذا النهج عن تنامي الثقة الدولية في الدور المصري، حيث أصبحت القاهرة لاعبًا مؤثرًا في العديد من القضايا الإقليمية والدولية، وشريكًا فاعلًا في جهود البحث عن الحلول السياسية للأزمات المختلفة.
وتؤكد المؤشرات والدلائل أن مصر نجحت خلال السنوات الـ13 الماضية في تحويل العديد من التحديات إلى إنجازات و فرص لتعزيز قوتها ومكانتها، بما رسخ حضورها الإقليمي والدولي في ظل عالم يشهد تغيرات متسارعة وتحولات متلاحقة .
المؤكد أن الطريق لم يكن سهلاً، ولم تكن التحديات التي واجهتها مصر بعد تلك الأحداث عابرة أو محدودة، فقد وجدت الدولة نفسها أمام مسؤولية ضخمة لإعادة بناء الثقة، واستعادة كفاءة المؤسسات، وتوفير الأمن لمواطنيها، بالتوازي مع إطلاق مسار تنموي قادر على تلبية تطلعات ملايين المصريين إلى حياة أكثر استقرارًا وكرامة.
ومع مرور السنوات، بدأت ملامح التحول تتشكل على الأرض؛ من مشروعات تنموية كبرى وإصلاحات اقتصادية واسعة، إلى جهود متواصلة لترسيخ الاستقرار والحفاظ على تماسك الدولة في منطقة عانت و لا تزال من أزمات وصراعات متلاحقة، وباتت التجربة المصرية محل اهتمام ومتابعة باعتبارها نموذجًا فريدًا في مواجهة التحديات الكبرى.
و لا يخفى على احد أن ما شهدته مصر بعد 30 يونيو يقدم تجربة تستحق الدراسة، ليس فقط لما حققته من استعادة لقدرة الدولة على العمل، وإنما أيضًا لاستطاعتها تحقيق معادلة صعبة تجمع بين متطلبات الأمن وضرورات التنمية، في تجربة لا تزال أصداؤها وتداعياتها حاضرة بقوة في المشهد الإقليمي حتى اليوم .
لقد جسدت ثورة 30 يونيو لحظة إنقاذ تاريخية للدولة المصرية، بعدما نجحت في حماية مؤسساتها الوطنية والحفاظ على هويتها، وفتحت الطريق أمام مرحلة جديدة من البناء والتنمية الشاملة التي غيرت وجه مصر خلال سنوات معدودة ، حيث كانت قبل الثورة تواجه تحديات غير مسبوقة على المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية، وسط حالة من الانقسام المجتمعي وتهديد واضح لهوية الدولة الوطنية، إلا أن الإرادة الشعبية تجسدت في الخروج العظيم وغير المسبوق لملايين المصريين إلى الميادين للمطالبة باستعادة الدولة والحفاظ على وحدتها.
ولم يكن مشهد الثلاثين من يونيو مجرد احتجاج سياسي، بل كان تعبيراً عن وعي شعبي جمع المصريين تحت راية الوطن، توحدت خلاله جميع فئات المجتمع دفاعاً عن الدولة المصرية ومؤسساتها، في واحدة من أكبر الحشود الشعبية التي شهدها التاريخ الحديث ” أكثرمن ٣٢ مليون مواطن ” .
و مما لا شك فيه فإن نجاح الثورة ارتبط بالدور الوطني الذي اضطلعت به القوات المسلحة ، والشرطة وانحيازهما لإرادة الشعب لحماية الدولة من الانزلاق إلى الفوضى، وكان بيان الثالث من يوليو وخارطة الطريق التي توافقت عليها القوى الوطنية المختلفة بمثابة بداية مرحلة جديدة من الاستقرار وإعادة البناء.
مهدت الطريق أمام تحقيق العديد من الإنجازات خلال الثلاثة عشر عامًا الماضية حيث نجحت الدولة المصرية في خوض معركتي البقاء والبناء في آن واحد، و تمكنت من مواجهة الإرهاب واستعادة الأمن والاستقرار، بالتوازي مع إطلاق أكبر عملية تنمية شاملة في تاريخها الحديث .