الكاتب الصحفي عبدالرازق توفيق يكتب : «الإدارة الإمريكية».. رهانات خاسرة وتقديرات خاطئة

لطالما تاجرت الولايات المتحدة الأمريكية بالشعوب واتخذتها ذريعة لتغيير الدول واسقاطها وهو ما يعكسه تاريخ أمريكا فى اسقاط الدول وتسليمها للفوضى والقضاء على الأخضر واليابس فيها، الغريب انها تتخذ من حقوق الإنسان وغياب الحرية والديمقراطية مبررات للخداع وتزييف الوعى وخلق أسباب للتدخل، وفى ظنى أن هذا الخداع بات مكشوفاً لم يعد ينطلى على الشعوب، نجح فى العقود الماضية، وسقط فى السنوات الأخيرة، لم يعد يجدى نفعاً، قالت واشنطن المتحالفة مع بريطانيا قبل تدمير العراق، ان نظام صدام حسين نظام قمعى ديكتاتورى وأنه نكل بالشعب العراقى واستخدم أسلحة محظورة فى ضرب الأكراد، وأن العراقيين يعيشون اسوأ حالاتهم فى هذا النظام لكن الحقيقة تجلت بعد الانتهاء من تدمير العراق واسقاط وإعدام صدام حسين وقتل آلاف العراقيين وتفكيك جيشهم واسقاط دولتهم، اتضح على لسان تونى بلير رئيس وزراء بريطانيا الأسبق المشارك فى تدمير العراق، ان نظام صدام حسين لم يكن لديه أسلحة دمار شامل وأنهم خدعوا وبنوا قرارهم على معلومات خاطئة، هذا جانب، الجانب الآخر نطرحه فى تساؤل كبير، بعد التدخل الأمريكى وتدمير العراق هل حصد العراقيون الحرية والديمقراطية والازدهار والرفاهية والأمن والاستقرار، الحقيقة ان حياة العراقيين عقب سقوط نظام صدام وتدمير العراق على يد الأمريكان تحولت البلاد إلى فوضى عارمة، وحرب أهلية، واشتعل الإرهاب الأسود وانتشرت التفجيرات والجرائم وفقد المواطن العراقى أغلى النعم «الأمن والاستقرار وهيبة الدولة» لم يتحقق الرخاء الأمريكى وواجه العراق الشقيق تحديات وتهديدات ومؤامرات أمريكية لم تستهدف القضاء على نظام صدام ولكن استهدفت التخلص من العراق، واخراجه من معادلة القوة العربية.
وعود أمريكا الزائفة بالحربة والديمقراطية والازدهار والرفاهية هى أخطر سلاح لخداع الشعوب وتزييف وعيهم، ودفعهم إلى تدمير اوطانهم، ودعم مؤامرات الخارج، هذا السيناريو الأمريكى الذى طبق فى بعض الدول بنجاح بعد العراق، مثل الربيع العبري، ليكتشف الجميع ان الأمريكان لا يهمهم مصالح الشعوب أو حريتهم وديمقراطيتهم أو ازدهارهم ولكن فقط مواصلة الهيمنة والنفوذ وسلب موارد وثروات هذه الدول شعارهم «لتذهب الشعوب إلى الجحيم» حيث الفوضى والإرهاب والخراب أو الانضمام إلى قوافل اللاجئين والمشردين، لقد حصدت الشعوب المخدوعة بالأكاذيب الأمريكية السراب، وأشواك الفوضى والانفلات وسقوط الدولة الوطنية، فقد انتهى الجيش الوطنى على يد أبناء شعبه لتتحول إلى دولة مستباحة ثم اختفت الشرطة الوطنية والأجهزة الأمنية فأصبح الشعب اسيراً للإرهاب والمرتزقة والميليشيات الذين يعيثون فى هذه الدول فساداً وخراباً وقتلاً وانتهاكاً.
الجديد الذى عشناه خلال الأشهر الماضية حاولت أمريكا وإسرائيل الرهان على تحريك الشعب الإيرانى وتحريضه ودعمه من أجل اسقاط النظام الإيراني.. الإيرانيون المخترقون بعناصر الموساد من أجل تحريض ممنهج يؤدى إلى إشعال الفوضى فى البلاد ثاروا فقط اعتراضاً واحتجاجاً على قسوة الظروف الاقتصادية والمعيشية، لكن عندما تعلق الأمر بعدوان خارجى على وطنهم، تحولوا إلى سلاح فى وجه الأمريكان والصهاينة، فشل الرهان الأمريكى هذه المرة، الخداع سقط، الايرانيون استوعبوا الدرس، تحولوا من التظاهر ضد النظام إلى الالتفاف حوله حتى يدافع الجميع عن إيران ضد العدوان الأمريكي- الصهيوني.
الشعوب أقوى سلاح هى من تحمي.. ترامب هدد بتدمير الجسور، فإذا بالإيرانيين يذهبون إليها.. ويجلسون فوقها.. من هنا اصيب الأمريكان بالجنون، فالمواجهة العسكرية باتت صعبة ومعقدة لم تفلح الضربات الجوية المتلاحقة والمستمرة والتى اصابت أكثر من 13 ألف هدف داخل إيران حسب ما أعلنه قائد القيادة المركزية الأمريكية «سنتكوم» وفشل سلاح تحريض الشعب الإيرانى، الأمريكان فقدوا أهم الأسلحة خاصة خداع الشعب ثم استمرار إيران فى توجيه ضربات صاروخية مؤلمة على القواعد والقوات الأمريكية فى المنطقة ودمار واسع حل بالعمق الإسرائيلى، اصابت صواريخ ومسيرات إيران أهدافاً حيوية وحساسة واجبرت الإسرائيليين على الاقامة فى الملاجئ، الأمريكان فقدوا هيبتهم، وترامب يترنح، الداخل الأمريكى غاضب، شعبيته ورصيده ينزف، يغامر بمستقبل الجمهوريين، مع اقتراب انتخابات التجديد النصفى.. طهران لديها أوراق كثيرة، الندية العسكرية العين بالعين والبادى أظلم، استهداف حلفاء أمريكا وتدمير منشأت نفطية وبنية تحتية ومحطات مياه ومطارات وإغلاق مضيق هرمز، الورقة التى تضغط بها إيران على العالم، الاقتصاد العالمى يتألم، متناقضات ترامب تنال سخرية العالم، تارة يصرح انه غير مهتم بمضيق هرمز، وعلى من يعنيه الأمر يأتى لفتحه ثم يعود من جديد ليقول إن المضيق فى إيدى القوات الأمريكية ومفتوح، لكن الواقع يصفعه، المضيق فى قبضة الإيرانيين، ومازال حتى الآن رغم الحصار البحرى الذى تفرضه أمريكا على الموانئ البحرية الإيرانية ترامب يدعو دولاً كثيرة للمشاركة فى فتح المضيق للجميع.
المشهد الآن يحمل عنواناً رئيسياً، أمريكا فى مأزق فوجئت بالعناد الإيراني، وعدم تحقيق الأهداف التى أعلنتها واشنطن، اسقاط النظام الإيرانى رغم إغتيال رموزه وهذا لم يحدث، القضاء على البرنامج النووي، ولم يحدث، تحريك الشارع الإيرانى ضد النظام ولم يحدث، تحرير وفتح مضيق هرمز ولم يحدث، القوة العسكرية والضربات الجوية لم تخضع إيران، ولم تحقق أهداف أمريكا، الحرب البرية محفوفة بالمخاطر، وقد تكون مستنقعاً جديداً للقوات الأمريكية فى ظل تضاريس إيرانية معقدة، وقوة الجيش البرى الإيراني، بالاضافة إلى ملايين المتطوعين من الإيرانيين والموالين فى دول أخرى سواء اليمن أو العراق وإمكانية تحريك إيران لاذرعها مثل انصارها وجماعات الحشد فى العراق والحوثى فى اليمن، وحزب الله يواجه الكيان فى نفس التوقيت فى المقابل سخط غليان الداخل الأمريكى على إدارة ترامب ولسان حالهم انها ليست حرب أمريكا بل حرب إسرائيل.
من الواضح ان إيران اشتمت رائحة الورطة الأمريكية وان الادارة الأمريكية تعيش مأزقاً وما تصريحات ترامب بالتهديد والوعيد وتدمير إيران بالكامل إلا مجرد «طق حنك» ورحلة البحث عن تسويق نصر لم يحدث ، والدليل أن إيران تضرب وترفض وتشترط ولا تبالي، قالت لا فتح لمضيق هرمز قبل إلغاء وانسحاب الحصار البحرى الأمريكى.
وان مضيق هرمز مغلق طالما بقى الحصار البحرى الأمريكي، ان الإيرانيين ادركوا المأزق الأمريكى ونقاط الضعف والثغرات الكبيرة، وحاجة أمريكا إلى الخروج الأمن من هذه الورطة التى تسببت فيها اوهام نتنياهو.
ظنى ان واشنطن ستبحث عن مخرج بدليل انها ذاهبة إلى مفاوضات جديدة فى إسلام اباد.
لكن النتيجة المهمة التى يجب ان نصل إليها ان كل حسابات وتقديرات أمريكا ورهاناتها فشلت تماماً ولم تحقق أهداف الضربات العسكرية ولم يستجب الإيرانيون لخداع الأمريكان والمحصلة صفر.