ليست كل الرسائل التي تصلنا تصلح للنشر، فبعضها مجرد شكوى عابرة، وبعضها الآخر يحمل من الصدق والألم والانتماء ما يجعل تجاهله نوعاً من القسوة أو الإنكار. وبين الحين والآخر، تأتيك كلمات لا تقرأها باعتبارها رأياً فردياً بقدر ما تراها شهادة إنسان عاش التجربة من داخلها، واختبر سنوات المجد والانكسار، وما بينهما من وعود مؤجلة.
قبل أيام، وصلتني رسالة عبر تطبيق “واتساب” من زميل إعلامي سابق بالتليفزيون المصري أحيل إلى التقاعد بعد سنوات طويلة قضاها داخل مبنى ماسبيرو، المبنى الذي لم يكن بالنسبة إليه مجرد مكان عمل، بل جزءاً من العمر والذاكرة والانتماء. حملت الرسالة مزيجاً من الحنين والوجع والأمل ، وجاءت كالتالي:
“” أعلم يا سيدي أن من يملك صوتاً وقَلماً ما زال قادراً على التعبير عما يجيش في صدور الآخرين. لقد تعلمنا معاً معنى الكلمة وتأثيرها، وتربينا مهنياً على حب العمل والإيمان بما نقدمه دون انتظار مقابل سوى الاقتناع بما نفعل.
أتذكر جيداً حين بشرتني قبل سنوات بأن التغيير قادم إلى ماسبيرو، وأنني ربما أشهد هذا التغيير قبل خروجي إلى المعاش. واليوم نسمع عن قرارات ولجان ومحاولات للتطوير، خاصة مع تولي الكاتب الصحفي أحمد المسلماني مسؤولية إدارة هذا المبنى العريق الذي حمل لسنوات طويلة أوجاعاً وتحديات تراكمت عبر الزمن.
لكن السؤال الذي يؤرق كثيرين من أبناء ماسبيرو: ماذا عن حقوق أصحاب المعاشات ومستحقاتهم التي تأخرت لسنوات؟ ماذا عن مكافآت نهاية الخدمة والإجازات المستحقة التي نص عليها القانون؟ نعم، كان هناك اهتمام رئاسي بهذا الملف، لكن ما زال كثيرون ينتظرون أن تتحول الوعود إلى واقع يخفف عن أبناء أفنوا أعمارهم داخل هذا المبنى.
ماسبيرو ليس مجرد مبنى قديم، بل ذاكرة وطن، ومن داخله خرجت أعمال وبرامج ستظل شاهدة على عصر كامل من المهنية والتأثير. أبناء ماسبيرو أنفسهم كانوا أساساً لنجاحات إعلامية كثيرة داخل مصر وخارجها، وأسهموا في بناء تجارب إعلامية عربية متعددة، لكن بعض الكفاءات ابتعدت أو أُبعدت، وبقي آخرون ينظرون إلى المكان من بعيد محملين بالذكريات والأسى.
لسنا ضد التطوير، بل نطالب به، لكن التطوير الحقيقي يبدأ بالإنسان، بالكفاءة، وبإعطاء أبناء المهنة الفرصة والإمكانات. نريد إعلاماً يقترب من الناس، يناقش مشاكلهم، ينقل الواقع كما هو، يفتح الملفات، يستضيف المسؤول ويواجهه بالأسئلة، ويكون همزة وصل حقيقية بين المواطن وصانع القرار. فكلما اقترب الإعلام من نبض الشارع المصري، اقترب المواطن منه وثق فيه.
هذه كلمات كتبتها في حب المهنة، وفي حب المكان الذي عشت فيه عمري كله.. ولك الحب، ولمصر ولماسبيرو السلام والأمان”” .
انتهت الرسالة ، لكنها في الحقيقة لا تنتهي عند حدود صاحبها لأنها تعكس مشاعر قطاع واسع من أبناء مؤسسة إعلامية عريقة ما زال كثيرون يرون أنها قادرة على استعادة جانب من دورها وريادتها إذا توافرت الإرادة ، وتم الاستثمار الحقيقي في العنصر البشري وتحقيق العدالة المهنية .. والتطوير الذي لا يكتفي بالشكل وإنما يمس الجوهر.
يبقى أن المؤسسات الكبرى لا تعيش بتاريخها وحده ، كما أنها لا تنهض بقرارات إدارية فقط.. بل تنهض حين يشعر أبناؤها أن سنوات العمر التي أفنوها لم تذهب سدى، وأن الوفاء لمن خدموا هذا الوطن إعلامياً ليس ترفاً، بل ضرورة أخلاقية ومهنية. فربما كان إنصاف الإنسان هو أول الطريق الحقيقي لإنصاف المكان.