الاعلامي محمود عبد السلام يكتب : موعود بالعذاب

عشاق عبد الحليم، وأنا منهم، نقف طويلاً عند “موعود”.
لا نمرّ بها كما نمرّ بأغنية، بل نخلع عند بابها نعالنا، وندخل حفاة إلى محراب وجعٍ مقدس.
لقد صبّ فيها بليغ حمدي كل سحره، فكانت الألحان كأنها يدٌ تمسح على جرحٍ قديم.
وكتبها محمد حمزة بمدادٍ من دمع، فجاءت الكلمات كسيوفٍ من حرير.
ثم جاء حليم، فلم يغنِها… بل نزفها. أعطاها من روحه، ومن رئتيه، ومن سنوات عمره التي أكلها المرض.
فصارت الأغنية ليست لحناً، بل مرآة انعكس فيها الحب بالألم، والوعد بالخذلان، والحياة بالموت.
تأخذك “موعود” إلى عالمٍ ثالث، لا هو عالم العشاق ولا عالم الشهداء.
عالمٌ تختلط فيه دمعة الحنين بأنين الجسد، فيسمو الإنسان ويشف، ويكاد يرى بعين قلبه ما لا تُدركه الحواس.
هي رحلة من مقاطع، كل مقطعٍ باب، حتى تكتمل الحكاية في آخر كوبليه.
وهناك… عند النهاية، يقف الملايين منا صامتين.
يمهد بليغ تمهيداً موسيقياً مرهفاً، كأنما يمهد الطريق لجنازة قلب.
ثم يخرج صوت حليم من سويداء قلبه، متعباً، صادقاً، مكسوراً:
شوف خدتنا لفين يا قلبي… وشوف سابتنا فين
في سكة زمان ضيعين… في نفس المكان تايهين
لا لك لحظة بتهدى يا قلبي… ولا تنسى اللي كان يا قلبي… شوف
هنا تتوقف الحياة.
كأن الزمن أدار ظهره ومضى، وتركنا واقفين في نفس الشارع، في نفس الذكرى، في نفس الغياب.
قلبٌ لا يهدأ، وذاكرةٌ لا تنسى، وطريقٌ لا ينتهي.
“موعود” ليست أغنية عن الحب.
هي اعترافٌ بأن بعض الأرواح خُلقت لتمشي في العذاب، وأن بعض القلوب كُتب عليها أن تظل تائهة…
حتى في المكان الذي ضاعت فيه.