الفنان ناصر النوبي يكتب: ياطالع الشجرة..

«يا طالع الشجرة.. هات لي معاك بقرة.. تحلب وتسقيني بالمعلقة الصيني»… كلمات بسيطة حفظناها ونحن أطفال، ورددناها دون أن نسأل أنفسنا يومًا: لماذا الشجرة؟ ولماذا البقرة؟ ولماذا الحليب؟ والأغرب… لماذا «المعلقة الصيني» تحديدًا؟ بالطبع لا يوجد دليل أثري يثبت أن هذه الأغنية فرعونية، ولا توجد بردية أو نقوش مصرية قديمة تقول إن المصري القديم كان يغني هذه الكلمات، ولذلك لا يصح أن نقدمها باعتبارها أغنية من عصر الفراعنة. لكن هذا لا يمنعنا من النظر إليها باعتبارها قطعة من التراث الشعبي المصري، ومحاولة قراءة رموزها قراءة ثقافية وتاريخية. فإذا نظرنا إلى «الشجرة» نجد أن الشجرة في الحضارة المصرية القديمة لم تكن مجرد نبات؛ فقد ارتبطت بالحياة والتجدد والحماية والعالم الآخر، وكانت شجرة الجميز، على وجه الخصوص، ذات مكانة دينية مهمة، وارتبطت بالإلهة حتحور التي عُرفت في بعض النصوص والتمثيلات بعلاقتها بالجميز. ثم تأتي «البقرة»… وهنا يصبح الرمز أكثر إثارة؛ فحتحور نفسها ارتبطت بصورة البقرة، وبالأمومة والخصوبة والحماية والغذاء، وكان اللبن رمزًا للنourishment والحياة، بل ارتبط في التصورات الدينية المصرية بمنح الحياة للملك المتوفى. إذن لدينا شجرة، وبقرة، ولبن… ثلاثة عناصر يمكن أن تحمل في الذاكرة الثقافية المصرية معاني الحياة والأمومة والخصوبة والتجدد. ثم نصل إلى الجملة الأكثر إثارة للفضول: «بالمعلقة الصيني»! هنا لا ينبغي أن نقفز إلى استنتاجات خيالية ونقول إن الأغنية تثبت وجود علاقة مباشرة بين مصر والصين في العصر الفرعوني؛ فهذا لا تؤيده الأدلة الأثرية المتاحة. لكن وجود «الصيني» في أغنية شعبية مصرية يفتح لنا بابًا واسعًا للتفكير في تاريخ التواصل بين مصر والعالم الآسيوي. فمصر لم تكن يومًا جزيرة معزولة عن العالم. عبر البحر الأحمر وطرق التجارة القديمة، تحركت السلع والأفكار والعادات بين مصر والجزيرة العربية وشرق إفريقيا والهند وما وراءها. وفي عصور لاحقة، لدينا دليل أثري واضح على وصول الخزف الصيني إلى مصر، وخاصة إلى مدينة الفسطاط، حيث عُثر على مصنوعات خزفية صينية ضمن شبكة التجارة الواسعة التي ربطت الصين بالعالم الإسلامي والبحر الأحمر ومصر. وهنا تصبح «المعلقة الصيني» في الأغنية الشعبية مجرد كلمة بسيطة، لكنها تذكرنا بأن الأشياء القادمة من الشرق دخلت بالفعل إلى الحياة المصرية عبر قرون طويلة من التجارة والتبادل الثقافي. والأجمل من ذلك أن حتى رمز «الشجرة» نفسه يحمل قصة تواصل ثقافي قديمة؛ فالدراسات الحديثة تشير إلى أن للجميز مكانة دينية عميقة في مصر القديمة، وأن بعض تقاليد الأشجار المقدسة ربما ارتبطت بتفاعلات ثقافية مع مناطق شرق السودان والبحر الأحمر. ولذلك يمكن أن نقرأ الأغنية لا باعتبارها وثيقة فرعونية، وإنما باعتبارها مرآة بعيدة المدى لذاكرة مصر الثقافية؛ ذاكرة تختلط فيها رموز الحياة القديمة مع مفردات دخلت إلى المجتمع المصري عبر عصور مختلفة. «يا طالع الشجرة»… شجرة الحياة والتجدد. «هات لي معاك بقرة»… رمز الأمومة والخصوبة والغذاء. «تحلب وتسقيني»… اللبن، غذاء وحياة. «بالمعلقة الصيني»… شرق بعيد أصبح جزءًا من تفاصيل الحياة المصرية. وربما هنا تكمن روعة التراث الشعبي: أنه أحيانًا يحتفظ بأشياء لا نعرف أصلها، ولا نعرف متى دخلت إليه، لكنه يظل قادرًا على فتح أبواب الأسئلة. فربما لا تكون هذه الأغنية فرعونية، وربما لا تكون لها أي علاقة مباشرة بالصين القديمة على الإطلاق… لكن مجرد وجود «الصيني» داخل أغنية أطفال مصرية يجعلنا نتوقف لحظة ونسأل: كم من الأشياء والأفكار والثقافات عبرت البحر والصحراء والطرق التجارية حتى أصبحت جزءًا طبيعيًا من حياتنا اليومية؟ مصر لم تكن يومًا بعيدة عن العالم… كانت دائمًا في قلب العالم. وبين النيل والبحر الأحمر وطرق التجارة، كانت مصر تستقبل العالم… ويخرج منها العالم. وربما تكون «المعلقة» مجرد معلقة… لكن خلفها قصة عالم كامل من التواصل بين مصر والشرق.