الدكتور علاء رزق يكتب: تحالفات أصحاب الحضارات

تحظى زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج لمصر،باهتمام واسع في الدوائر السياسية والاقتصادية، وسط توقعات بأن تدفع العلاقات بين البلدين إلى مرحلة جديدة، بالتزامن مع مرور 70 عاماً على إقامة العلاقات الديبلوماسية، وبعد نحو عقد على زيارة شي الأخيرة للقاهرة.وتأتي الزيارة في ظل شراكة استراتيجية شاملة بين مصر والصين منذ عام 2014، وتعاون يتسع من التجارة والاستثمار والبنية التحتية إلى التكنولوجيا والطاقة والتصنيع، في وقت تتزايد فيه أهمية القاهرة في حسابات بكين الإقليمية.وقد أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي التمسك بمساري الشراكة مع الصين والاتزان الاستراتيجي في العلاقات مع البلدان الأخرى. وأن العلاقات بين البلدين على مدار سبعة عقود مضت تتطور على نحو ملموس وصولاً إلى إعلان الشراكة الاستراتيجية الشاملة عام 2014، وقد حققت الشراكة طفرة في العلاقات الثنائية، وجذباً لمزيد من الصناعات الصينية إلى مصر. ولا شك أن تعزيز نقل التكنولوجيا في مجالات الاتصالات والذكاء الاصطناعي وعلوم الفضاء من أولويات التنمية الاقتصادية والتكنولوجية ومسارات التعاون المصري – الصيني في المرحلة المقبلة. وفى ظل التحديات غير المسبوقة التى تموج بها منطقة الشرق الأوسط فإن مصر حرصت على الدفع بعلاقات ممتدة وواسعة مع مختلف دول العالم، وتنويع سياستها الخارجية ومد أياديها لكل الأصدقاء، بهدف بناء شراكات أوسع وأعمق على أساس الاحترام المتبادل والتضامن والمنفعة المتبادلة. وبالتالي تكتسب زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر أهمية بالغة في ظل توترات إقليمية ودولية متصاعدة، وبالتالي تهدف مصر إلى التركيز على التصنيع المحلي، ونقل التكنولوجيا، وسلاسل القيمة المضافة،مع تعزيز التعاون في مجالات الطاقة المتجددة، السيارات الكهربائية، الاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، أيضاً تحقيق الاكتفاء الذاتي عبر الإستفادة من الخبرات الصينية لزيادة الإنتاجية وتقليل الفاقد في قطاع الزراعة.ونعتقد أن التنين الصيني يدرك تماماً أن نجاح مبادرة الحزام والطريق تقوم على الإستفادة من موقع مصر الإستراتيجي،ومحور قناة السويس لربط الموانئ الصينية بأسواق إفريقيا والعالم العربي وأوروبا.وما يؤكد ذلك أن الإستثمارات الصينية فى مصر تبلغ أكثر من 10 مليار دولار عام 2025 ،وهى تمثل 21% من جملة الإستثمارات الصينية فى أفريقيا،مع وجود تطلعات ومستهدفات مشتركة للوصول بها إلى ما بين 14 و30 مليار دولار خلال السنوات القادمة، كما بلغ عدد الشركات الصينية العاملة في السوق المصرية نحو 3,971 شركة حتى منتصف عام 2026، حيث يتركز جزء كبير من هذه الاستثمارات في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس وتحديداً في التعاون مع تيدا مصر (TEDA)، مكاسب إقتصادية كبيرة لمصر ناتجة من تعزيز الشراكة مع الصين،فقد ساهمت الإستثمارات الصينية في تطوير منطقة تيدا الصناعية وجذب مشروعات ضخمة،وبلغت التجارة البينية مستويات قياسية متجاوزة 20 مليار دولار، بزيادة 15% عن العام السابق،لتظل الصين الشريك التجاري الأكبر لمصر لعدة سنوات متتالية، ونأمل أن تستفيد مصر من المبادرة الصينية للإعفاء الجمركي على الصادرات الإفريقية، وهو الأمر الذي سيساهم في قفزة لصادرات المنتجات الزراعية والغذائية والصناعية الخفيفة إلى السوق الصيني. ولا شك أن إنضمام مصر لدول تجمع البريكس سيساهم فى تفعيل اتفاقية مبادلة العملات المحلية، مما يخفف الطلب المباشر على الدولار، وفى المقابل أصدرت مصر سندات “باندا” مستدامة في السوق الصينية لتمويل مشروعات خضراء واجتماعية،ويجب أن ندرك تماماً بأن هذه الزيارة الدبلوماسية رفيعة المستوى للرئيس الصيني تأتي في وقت استثنائي، بهدف إعادة التوازنات الإقليمية وتعزيز الشراكة الإستراتيجية بين مصر والصين،كما يهدف توقيت الزيارة إلى إحتواء التصعيد الإقليمي في أعقاب الحرب الإيرانية، حيث تسعى الصين إلى تأمين طرق بحرية حيوية مثل قناة السويس والبحر الأحمر بعد الإضطرابات التي سببتها الأزمة الإيرانية.أما الرسالة الأبرز التي حملتها زيارة شي جين بينج لمصر فكانت إعادة تأكيد الدور المحوري لمصر، ولا بديل لها. ويمثل هذا إعلانا صينيا عن التزام الصين بالتحالفات ،وخاصة لو كانت مع أصحاب الحضارات.
كاتب المقال رئيس المنتدى
الإستراتيجي للتنمية والسلام