رواية ” الماسورة والحلال ” للكاتب محمد نبيل محمد 

المهمة …

الصحراء الشاسعة القاسية بمفرداتها الطبيعية , الجبال الرواسى التى تلهم الرجال آيات من الإنتماء والإباء , تشى لهم بأسرارها , تحدثهم وبحدثونها فتحفظ السر عندما يطيل المقاتل النظر اليها فيصرخ سره الصامت معلنا عن خفايا كان قد اعتزم عدم البوح بها سابقا فى مبتدأ ارتحاله من قريته المختفية وسط زراغات جنوب الوادى فى حضن جبل كذلك الصامت الموحش للعابر , الخليل الودود للعاشق , يحدثها وقت الراحة نعيم المقاتل القديم وهو الذى حفظ ايات انجيله تخت ظل كهوفها وكأنه يترهبن لسويعة او أقل مدى منها وربما يزيد عن نصفها, وكثيرا ما بكى فقدان امه الحنون الضعيفة الواهنة المنحنية الظهر , راكعة كانت طيلة عمرها لربها وكأنها تخفى فى أحشائها اولادها الثلاث نعيم الكبير صاحب العمر الشقى واخيه الاوسط فهيم الخواجة صاحب العينين الزرقاوتين والكلثومين الحمراوين وكأنه دائم الخجل وهو غير ذلك على الاطلاق , هو الولد الشقى الذى تعاكسه بنات القرية وتطلبه لهن امهاتهن , لكنه عند امه ليس مكمن ثقات , فتلك الام المجتهدة من مرضها وعملها واولادها وسفر شريك حياتها للعمل بأحدى مشروعات الوطن القومية فى حضن شمس بنبان يبنى مع زملاء العرق جبل جديد من الطاقة الكهربائية هو على يقين انه قد لا يرى من سنا اشعتها الجديدة الوليدة فى افاق المستقبل , لكنه مؤمن كأجداده ان يبنى لاحفاده شيئا ينير لهم قليلا حتى يستكمل القادمون بناءه لمن يأتى بعدهم وهلم جرة تلك سلسلة اولها عن ادم واخرها عند الجنة , وبجوار الولدين الصبيين كانت صبية وردة , اسمها وردة ابانوب القمص مترى , هذا اسمها الذى وهبها اياه جدها لوالدها فقد كان عاشقا لابنه البكر ابانوب وزوجته ابنة اخته الوحيدة وردة التى كانت توأمه طيلة ثلاثين عاما من اللذة والنقاء والابتسامات الصاخبة التى ملئت حقلهم ومزارع الحقول المجاورة بهجة , حتى خطب ابانوب ابنتها وفارقت التوأم وردة توأمها للأبد بعد اكتمال اكليل ابانوب ونجاح ابنة وردة ويومها اعلن الأب ان اول حفيد له من ابنه وابنة اخته وردة سيرث احب الاسماء لقلبه وردة او ورد , ايهما وجاءت وردة وهى التى منحها الرب كل حظ اسمها , ندية , مشرقة , باسمة , حانية , معطاءة , كانت رغم صعرها عن اخويها نعيم وفهيم إلا انها كانت الام الصغرى يزدان بها البيت الصغير المتواضع المطل على قيراطين ونصف هم كل املاك ابانوب ونجاح من الدنيا لكنهم لم بكونوا الارث الوحيد لابانئهم الثلاث فقد اجتهدت نجاح ان تمنح الذرية الثلاث محبة بينهم ومع جيرانهم بل وطاولت فروع المحبة بيوتا غير متجاورة كانت يسكنها اناس ليسوا من اسرتهم المتفرعة لكنهم من اهل الصعيد الذى لا يعرف الا المودة فى القربى , فصاحبت نجاح صديقتها الصدوق وجارتها البعيدة بخمس منازل لكنها القريبة لقلبها والمشاركة لالمها فقد كانت ام محمود تعرف جيدا وخز الحقن فكانت تأتيها كل ليلتين بعد المقرب لتعطى نجاح حقنة الروماتويد التى وصفها لها حكيم مركز سمالوط , الدكتور قسطنطين , وكثيرا ما اعتادت ام محمود وهب الشمع وتذره على مذبح كنيس سمالوط وتدعى لابنها محمود بالفلاح وصلاح الحال , وتعودتان معا نجاح وام محمود يتسامرا ويتشاكسا مع بائعى سوق الخضار الذين ينتظران صباح كل يوم اثنين مجيىء هاتان السيدتان المشعتان بهجة ومحبة , ومن هنا كانت تربى نجاح اولادها على حب الناس وعشق الارض وزرع فيهم ارثها , وكذلك يفعل والدهم ابانوب , دائما ما يحكى عن عمله فى بنبان ويقارن بين صور كده بملامح متشابهة لكد جده الذى شارك المصرين بناء السد العالى وكان يحكى لهم عن معاناة الحفر والبناء وصعوبة التعايش فى تلك البيئة الا انهم اصروا جميعا على تحدى امريكا وصندوق النقد والبنك الدولى , كان مازال يحفظ عن جده تلك المسميات الدولية التى لم يقرأ عنها اطلاقا خلال دراسته حتى دبلوم الصنايع قسم كهرباء الذى حصل علية بشق الانفس ! كما كان يحكى لاولاده , ويحكى ان جده من علمه السياسة وعلمه من السياسة امرا واحدا وهو : ” ان تعمل لتأكل حتى تملك قرار حياتك وحياة ابنائك” تلك المقولة لاحد بناة السد العالى جد ابانوب كان ابانوب يرددها على اولاده حتى كانوا يسبقونه بقولها بطلاقة مدوية ممزوجة بالضحك وخالية من الملل .. هذه حكايات واسرار نعيم لجبل الحلال الذى عشقه كما عشق جبل المنيا , كان يسر له اشياء عجيبة , ويقاطعه الجبل :” ايوة بس بتحكى ليه كل التفاصيل ديه ” هكذا كات شفتا نعيم تتمتم وهو يهمس لأذنيه فقط متقمسا شخصية جبل الحلال , وهو يرد عليه :” طب مش انت يا عم جبل صاحبى , ما هو يا نتصاحب يا نتعادى , وامى وصتنى على ارض مصر اول ما لبست الميرى , هو انت بقى مش حتة من ارض مصر ومش انت اخو جبل المنيا برضه , والا ايه ” ويفيق نعيم على نداءات عادل المتلاحقة ختى انه يرفع رأسه تجاه الصوت ومازالت روحه لم تغادر حديثها مع الجبل , فلم يعد بعد نعيم لحياة الآخرين الا عندما وكزه عادل :” ااااه , اخينا , انت لسه ممسوس بالجبل , اياكش ياخدك ونرتاح من جنانك ده, فوق وتعالى القائد عماد عمال ينده فى الصول فرج علشان يجمع الرجالة وحضرتك لسه فى العزلة , يا بوى ما فيش خلوة فى الجيش , اما تخلص جيشك ابقى روح خلوتك فى جبل المنيا اما جبل الحلال ده جييييش , فاهم يعنى ايه جيش”

لم يسمع نعيم من صراخ عادل سوى اخر كلمة ” فاهم يعنى ايه جيش” وظل يرددها داخله حتى تسربت من اعماقه إلى فمه حتى وصلت لسمع عادل “جيش” فردد عادل :” ايوة جيش يا سى نغيم , جيييييش”.

وانتقضا المقاتلان واتكىء نعيم على كتف عادل , فقد اصابت قدمه اليمنى بعض التصلبات من طول جلسته فى خلوته مع صديقه جبل الحلال حتى انه ادرك وهو يسير غير معتدل القوام انه سافر مع جبل الحلال ختى امتزجا حسدا واحدا فى خلوة صلاء اجهدت قدم نعيم التى ظنها احدى رواسى جبل الحلال , وحدث نفسه :” كده برضه يا جبل امشى معاك للمنيا تاخدنى للسد العالى , ولسبعين سنة ورا , تشكر يا عم جبل , اهو رجلى مش قادرة تشيلنى من طول المسافة وبعد الزمن , عاجبك كده , زمايلى يقولوا على طرى وانا اللى حاسب نفسى حتة منك صلب زيك , ماشى يا صاحبى”.

عادل : اخينا فوق لحسن تاخد اسبوغ فى سجن الكتيبة الصول فرج ما بيرحمش

نعيم : ماشى يا عم , انا فايق اهو يا بلد , وزى الفل .

عادل : (ساخرا) زى الفل باين عليك اتسطلت من الحشيش اللى فى الجبل وعملت دماغ.

نعيم : (مندهشا) حشيش حشيش ايه؟! يا بلد

عادل : القائد عماد قالنا فى وقت الراحة بعد التدريب وانت فى كهفك غايب عنا , ان التكفيريين زرعين حشيش فى حضن الجبل وانهم بــ ..

نعيم : (يقاطعه) استنى حشيش ايه ولاد ال ,,

عادل : اصبر استنى وفى المحاضرة دية حاتعرف كل حاجة عن حبيبك جبل الحلال اللى ما بقاش فيه جوه حاجة حلال ههههههه

يجتمع الجنود مربع ناقص ضلع كما اعتادوا عند تلقى التدريب النظرى , خلفهم على بعد عدة امتار تهدأ محركات المدرعات ناقلات الجند التى اقلتهم الى تلك النقطة بعيد عن منطقة تمركز وحدتهم الاساسية فى جبل عجرود , يبدأ اكتمال وصول الجنود بعد قضائهم نصف ساعة راحة بأوامر القائد بعد انتهاء ساعات التدريب العملى والرماية بالاسلحة المختلفة فقد تدرب كل مقاتل فيهم على التصويب والضرب بكل انواع الاسلحة ذات الاعيرة المختلفة من البندقية الالى الى الرشاش المتعدد الى النصف بوصة وقاذف الا ار بى جيه , واطلاق دانات الهاون , حتى احترفوا جميعا الرماية , ليلا كما هى بذات الدقة نهارا , عناء التدريب ذهب بغباره وارتوت الحناجر عندما قال لهم الصول فرج احنا حانتمركز هنا لحد الاوامر ما تيجى باللى احنا كلنا عايزينه.

يبدد شتات الذهن ويوقف سيل اجتهادات ومحاولات التوقع بالقادم نداءات مقتضبة وحازمة وسريعة

الصول فرج : فصيلة انتبااااه ..

يقف الجميع ممشوقا كأسنة جبل الحلال

الصول فرج : فصيلة صفا .. فصيلة انتباة .. ثابت مكانك ,, ثابت يعنى مافيش حركة ولا كلمة ولاهمسة , لو دبانة وقفت على وشك سيبها مش واقفة على العسل يعنى , لو تعبان قرصك ثابت مكانك مكانش قرص مارلين منرو , انا حا الفى ادى تمام رجالة انتوا فاهمين يعنى ايه رجالة والا المرة ديه حايكون الجزاء منى مش سجن , حا يكون رجوع لوحدتك وسط زمايلك وشوف بقى حا تقولهم ايه ؟! رجعت ليه ؟! مش راجل زى الرجالة اللى انا اخترتهم بنفسة علشان مهمة الشرف , ها , فصيلة صفا ,, فصيلة انتباه

يليتفت الصول فرج فى حركة ممشوقة القوام مثالية الاداء رافعا يمنه بالتحية العسكرية للقائد جاهرا صوته :” تمام يا اااا فندم الفصيلة بالكامل تمام

القائد عماد : ( يرد التحية العسكرية بإتقان متناهى) يغادر الصول فرج من نقطة التمركز فى منتصف مقدمة الفصيلة الى يسار الفصيلة بجوار الجماعة الاولى وهو بسير فى خطوات نموذجية لصف الضابط المنضبط

القائد عماد يتقدم خطوات تجاه الفصيلة ذات الجماعات الثلاثة وبصوت جهورى قوى كأنه يثبت للجبل انه يشبهه هكذا كان بنظر اليه باعجاب الجندى مقاتل نعيم ويهمس الى اعماقه : شوفت يا جبل اهو الرجالة كلها شبهك اوعاك تظن انى مخبول بحبك زى امى ما جالت , وانت سمعتها وهى بتوصينى عليك , انى مش لوحدى هنا اللى حاسس بيك , يظهر كمان القائد عادل اهو بيتحداك , والا يكونش بيحبك زى تمام , اثبت يا جندى لحسن تروح فى طوكر الصول فرج على بعد خطوة منى لو سمع صوت الجبل جواى يودينى فى ستين سلامة , اسكت يا نمرة ولم نفسك.

يستكل القائد عماد : النهاردة يارجالة انهينا تدريبات اللياقة البدنية والرماية وتدريبات ميدان الموانع وكلكم عارفيت تتعملوا بالبوصلة فى اليل زى النهار , وحفظتوا كل شبر فى قطاعنا المسئولين عنه , عايزكوا ما نسوش الهيئات الحكامة والتحفظوا القطاع قدم قدم وتبة تبة وكودية كودية حتى حبة الرمل تعرفوا تفرقوها عن اختها , ديه ارضكوا ملك اجدادكوا , فى حد ممكن ما يعرفش ارضه ؟ ! , وهو فى ارض ما تعرقش صاحبها ؟ ! يمكن معظمنا اول مرة يجى وسط سينا ويعدى القناة بس افهموا كويس ان علشان نعدى القناة ما كنش بالساهل كدة , اللى قبلنا ماتوا واندفنوا فى قاع القناة او هنا فى رمل سينا علشان ايه يارجالة ؟

(ينادى حتى يزلزل القطاع ويرد له جبل الحلال صداه ) : علشان ايه يارجالة؟

الابطال فى نفس واحد : علشان نورثها حرة يا فندم

القائد عماد : ايواااا , صح يا رجالة علشان نورثها حرة ونورثها للى بعدينا حرة , فاهمين يا رجالة

النهاردة انا جمعتكوا علشان ناخد التلقين الاخير ونوزع المهام

نعيم : يا بركاتك يا عدرا

عادل : يا نور النبى اخيرا اللهم صل عليه

( يهمهم المقاتلون الله اكبر .. الله اكبر)

القائد عماد : تمام يا رجالة الله اكبر فعلا احنا على العهد مع اجدادنا نسلمها حرة لاولادنا حتى لو متنا كلنا هنا نسلمها حرة للى يجى من بعدنا , تمام يا رجالة

الجميع : تمام يافندم ( يطلقون التمان من داخل صدورهم ليس نحو سمع القائد عماد بل صوب جبل الحلال الذى يتباهى بإخوانه فهو اديم هذه الارض التى طرحت كل هؤلاء الرجال , يتباهى جبل الحلال مرسلا هزاته عبر طبقات الأرض متخللة ازمنة ليست ببعيدة الى الوراء حتى مقر الارض التى احتضنت رفات شهداء الماسورة والمتناثرة على ربوع مصر فى دمياط والدقهلية والمنيا والشرقية والقاهرة وقنا تلك البقاع المضيئة بأجساد ستة عشر شهيدا من شهداء رفح الأولى, أغسطس الفين واثنى عشر , والسابع عشر من رمضان الف والرعمائة وستة وثلاثين, ويزف جبل الحلال الى بقاع الرفات معلنا الثأر)

ينادى القائد عماد : ثابت .. ثابت الفصيلة

ويبدأ فى توجيه المهام المكلفة بها الفصيلة ,,

ويأتى الدور على الجندى نعيم

القائد عادل : عريف مقاتل نعيم ابانوب القمص

نعيم : ( معلنا وجوده بتلبية تتحدى الحرام المحتل لأخيه جبل الحلال ) تمااااام يااااا فندم

القائد عماد : انت يا نعيم حكمدار الجماعة الاولى ما حدش يخرج من المغارة السادسة والسابعة اللى عرفت اتجاهها لكم الا على جثتكم فاهمين يا رجالة

نعيم وجماعته : فاهمين ياااا فندم

القائد عماد : لو رافع ايده ومستسلم اتأكد كويس انه مش ملغم نفسه وانه مش انتحارى من التكفيريين عايز يخدعكم ويستغل شهامة المقاتل المصرى وهو مفخخ نفسه علشان يقتل خمسة والا عشرة منكم ( محذرا ) فاهمين قصدى كويس يا وحوش.

نعيم وجماعته : فاهمين يا فندم

ينوجه القائد عماد الى العريف عادل : انا عارف كويس يا عادل انك بتحلم بتارك لاخوك الشهيد طارق اللى استشهد فى مذبحة رفح الاولى , بس كمان عارف انى باعتمد على راجل زى احوه الشهيد البطل , يعنى ما تخليش تارك يدفعك للتهور والا الغى لك مهمة قيادة الجماعة الثانية واخليك فى المؤخرة , اوعى يا عادل انت مهمتك حيوية ويتوقف على ادائها باتقان حماية وتأمين الحد الشرقى للقطاع السابع من القوة المكلفة بالمداهمة , انا واثق جدا فى تدريبك المتقن لكن لو مش …

العريف عادل : (يرفع يده اليمنى الى محاذاة القايش فى علامة للاستأذان بالكلام) ويقول ارجوك يا فندم انا عايش ميت لحد ما اخد بتار اخويا وخطيبتى من الانجاس دول , ابوس ايدك يا فندم اضربنى بالنار هنا وانا راضى وادفنى ادام جبل الحلال وانا راضى بس ما تحرمنيش من المهمة ارجوك يا فندم , انا فاهم كويس المهمة وعارف حساسية تنفيذها ومش ممكن حاخذلك ابدا ولا حا خذل اخويا وخطيبتى ولا حا خذل بلدى , ارجوك يا فندم..

القائد عماد : (مقاطعا ) انشف يا بطل تمام, انا واثق من انك راجل وادها .

ويستكمل القائد عماد تعليماته الى بقية العناصر حتى ينظر فى ساعته وينادى فى الفصيلة : فصيلة انتباه خمس دقائق ويصل قائد قوة المداهمة بنفسه عايز يتأكد من استعداد كل واحد من رجالة قوة المداهمة

وينادى القائد عادل : ثاااابت , ويلتفت مؤديا التحية لقائد قوة المداهمة : تمام يا فندم الفصيلة المسئولة عن القطاع السابع تمام يا فندم

يتسلم القائد الاعلى رتبة الطابور وينادى بصوت يتفاجىء منه عادل , فصيلة صفا , فصيلة انتباه ويبدأ فى التوجيه بتعليماته الى المقاتلين

العريف عادل : (متفاجىء ويتحدث الى نفسه) يااااه العميد كمال ابو نور معقولة يارب اللى انا سامعه وشايفه , نور انت معايا هنا , انت انت سمعانا وشيفانا انا وباباكى , يا ااااه رب قوينى حب عمرى جه لحد هنا , يا ترى جايا نور تقوينى والا ؟ ويسرح الى ان ينتهى سرحانه بطرف ابتسامة مضيئة , تملىء عينين السوداوتين الواسعتين التى كانت نور تتغزل فيهما , وتناديه عندا يسرخ بعينيه فيها بـــــ عمرررر, عمررر

يفيق , يعود عادل ويقول انا عادل يانور مش عمر الشريف بتاعك وكعادتها نلىء سمعه طربا بضحكاتها الصاخبة البريئة , ويرفع رأسه عائدا الى وعيه ليجد ان من ينادى عليه بــ عمر هو العميد كمال , وبندهش عادل , وتفضحه عيناه الكاشفتان لقاع اعماقه , فيبادره العميد كمال وكأنه يلتقطه من محيط اسئلة هائجة , يلف يمينه على كتف عادل ويصطحبه الى مسير يمتد لعدة خطوات خارج محيط الفصيلة , حتى يتحدث معه منفردا وهو يظن انه قد انفرد بعادل ولم يدرك ان اثنين يحدقان ويستمعان الى همسه لعادل وهما جبل الحلال ونور , ويطمأنه : ي ابنى نور كانت بتحكى لى عن كل صغيرة وكبيرة بينكم , ما تنساش انى كنت ابوها وامها بعد وفاة والدتها رحمة الله عليها وكمان كنت صديقها اللى بتشاكى له من مشاكلها معاك , وانا السبب فى اصلاح كثير من مشاكلكم دون ان تعرف انت .

عادل : مندهشا ولا يستطيع ان يعبر عن مشاعره المختلطة بين الشوق الذى هاجمه بحضور شخص لم يتوقع حضوره على الاطلاق مع انه كان يحدث نفسه عن هذا الشخص وابنته, وبين عزيمته الفولاذية فى الثأر لاخيه وخطيبته حبيبة عمره , وبين عشقه هو الاخر لجبل الحلال الذى اسر اليه سبب اجتهاده فى التدريب ليختاره القائد عماد ضمن قوة المداهمة ليأتى الى الجبل يقتص لشهدائه , بل وهذا الجبل يعرف ما هوز اكثر من ذلك , يعرف عن الغزل والعشق والوجد والوله الذى اصاب عادل وهو ينظر اليه يسر اليه عن محبوبته نور التى كانت حكاياتها كمشاعل تضىء ليله وتؤتسه مع جبل الحلال حتى تعرف عادل عن كل ملامح جبله الصديق والكاتم لسره , وهذ الجبل هو من ربت على كتف عادل عندما بكى اخيه الشهيد وخطيبته الشهيدة , حتى انه حفظ سره العظيم وهو بكاء عادل وهو من كتم صراخه عن سمع الاخرين حتى للا يقولون صغيرا يبكى فراق اخيه او صبوا فضحته دموع عيناه, هذا الجبل الصديق يغلم جيد من هى مريم ومن هو طارق ومن هما عادل وكمال !

يحنو القائد كمال على العريف عادل وينصحه :” يا ابنى كلــــ

(يقاطعه ) عادل : ابنك الله , قولها تانى يافندم , وحشتنى كلمة يابنى

كمال : ااااااه (يتنهد) ويطلق زفيرا طويلا مستمرا للسماء يردها جبل الحلال كصفير ناى يبكى بشجن

عادل : كانت بتفرح اوى لما تسمع حضرتك تنادينى يا ابنى , كانت بتقول اخيرا جه لبابا ابن وجالى اخ

(تخنق العبرات صوت عادل فلا يصل الى خارج صدره ويتحول الى نحيب متقطع وبكاء طفل اندفع فى حضن والده الى يجد فى حضنه الاب والاح والحما والحبيبة وكل تارخه الماضى منه والقادم ) عادل يجد نفسه التى اجتهد ليخفيها داخله لم يسمع عن اخبارها سوى ذاك الجبل الصديق الذى لم يخذله فكان مستمعا لبقا حانيا عطوفا على عادل من غدر هؤلاء القتلة اللذين اغتالوا ماضيه ومستقبله , هم من قتلوا براءة ظفولة حرموها اللعب مع الاخ الاكبر , وهم من بددوا امال عاشق كان يبنى غده حبا وطربا , هم من مزقوا اوتار الحب .

يهدىء كمال من روع عادل حتى يسير الحوار بينهما هادئا : عادل يا بنى كلنا هنا لينا تار مش تار اخوك وخطيبتك نور بنتى وبس لا تار بلد كل ما تقف يحاول الاندال والحقدة اسقاطها , تار ام ربت وما فرحتش بوليدها عريس , تار بنت انتظرت رجوع ابوها وما رجغش ولقيت نفسها من غير سند والدنيا نساية , فاهم يعن ايه نساية , وتار فرحة عيد ما كملتش فى صلاة كنيسة وتار صلاة جماعة اتجمع دم اصحبها نهر احمر يبكى , تار وتار كتير وكتير يا بنى , خد تار كل دول وغيرهم مش بس تار اخوك وخطيبتك , وينظر لعين عادل مبسما ومداعبا ماشى يا عم عمر ويضحك عادل ويضحك كمال ويعودان الى المربع ناقص ضلع ويستكمل فى ثبات المسئولية العميد كمال تعليماته لكل افراد قوة المدهمة فى القطاع السابع

العميد كمال : معلش يا رجالة اصل العريف عماد معرفة قديمة وواسطته غالية اوى , اوى انا مش بخبى على رجالتى اى شىء , علشان ارد على استسار كل واحد فيكم مرة واحدةوبعدين نكمل التعليمات , امنوا عارفين عادل يبقى خطيب بنتى الوحيدة نور

(يهمهم الجميع , وينظر بدهشة الصول فرج , ويلتفت الى عادل القائد عماد مرسلا اسهم اسئلته عبر نظرات خاطفى للعريف عادل تشى بدهشة واعجاب لعدم افصاح هذا المقاتل عن علاقته بالقائد الأكبر والاعلى رتبة فى الشرق )

يستعجل القائد كمال ويبادر الجميع مطلقا قذيفة مدوية تصيب الجميع بالوجوم : ابنتى الشهيدة نور

(يسود الصمت لثوان تشبه مرور السنوات الثقال, ويعود الحراك وتجىء الهمهمات المفهمومة هذه المرة والواضحة الرسالة : الله يرحمها , رحمها الله , ربنا يصبرك يا فندم)

القائد كمال : يستكمل احم . العدو الليلة يا رجالة مش حاسس بوجودكم لكن بعد الحصار اللى حانفرضه عليه اعتبارا من اليوم 12 فبراير 2017 ولمدة سيحددها صبره ومدى استحماله هو لاننا وببساطة مش حا نفك الحصار الا واحنا منضفين جبل الحلال بكل مغاراته وكهوفه ومساربه ومدقاته من التكفيريين اللى اتخذوا من الجبل قاعدة لوجستية لامداد الجماعات الارهابية المختلفة فى اسمائها والمتفقة على هذف واحد وهو اسقاط مصر

ممكن مصر تسقط وفيها رجالة زلى الورد زيكوا يارجالة

ممكن؟!..

(يرد الجميع : لا ياااا فندم , نفديها بدمنا يا فندم ولا يدخلها خسيس جبان)

يكرر نعيم ورد ورد الله , بركاتك يا عدرا , ورد اسم اختى والاسم اللى جدى كان عايزه وكان بيحكى لنا عليه , ورد , وحياتك يا عدرا لا نخليهم يدوقوا شوك الورد ولا يطولوا م الورد ولا يقربوا منه , عهد على يا عدرا , انا عارف انك سمعانى ياعدرا فى السما وشايفانى, عهد ووعد لاقطع رجبايهم بشوك الورد , عهد يا عدرا , وانت ياعادل اتريك يا خوى شايل هم جد الجبل , شايف يا عم حلال , طلع صاخبى وصاحبك عادل جبل هو التانى مش انت لوحديك اللى جبل!
القائد كمال : تم تقسن قدة الحصار والمداهمة لتسع قطاعات على طول الجبل وعلى مسافة الستين كيلوا متر , زمايلكوا يمنكوا وشمالكوا ليهم مهمة تمام شبة مهمتكم لكن مع تخصيص بعض التفاصيل , لازم تكونوا عارفين , ان التكفيرين نصبوا حقول الغام حولين الجبل , وليهم عيون وكاميرات مراقبة علشان كدة لازم نكزن على بعد من خمسة لستة كيلو متر من سقح الجبل علشان ما نديهومش فصة يكتشفونا ولازم نقبض على اكبر عدد منهم من عيونهم اللى حا تخرج م الجبل او تدخل ليه علشان رجالتنا يعرفوا يستجوبوهم كويس ونعرف اكبر قدر من المعلومات , علشان كدة يارجالة التعامل بالنيران فى حال هجوم اى واحد منهم او اشتباه انه مفخخ نفسه , وغير كدة يتم القبض على التكفيريين مفهوم يا رجالة , لحد ما تصدر الاوامر باقتحام الجبل

(الجميع الله اكبر .. الله اكبر)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.