الكاتب الصحفي عبدالرازق توفيق يكتب : حرب الممرات البحرية

منذ أيام خرج الرئيس الأمريكى دونالد ترامب يهاجم ويكذب التسريبات والمعلومات التى تحدثت عن وجود أزمة نفاد الذخائر الأمريكية أو الصواريخ الخاصة بالمنظومات الدفاعية التى تتصدى لصواريخ ومسيرات إيران أو أى جهة أخرى معادية محتملة وهو ما يشكل ورطة ومأزقًا للقوات الأمريكية والتقارير تحدثت عن نفاد 80٪ من صواريخ ثاد و50٪ من باتريوت.. ثم خرج الثلاثاء الماضى فى تصريحات اتهم فيها الرئيس الأمريكى السابق جو بايدن بأنه السبب فى أزمة نفاد الذخائر والصواريخ الدفاعية بسبب توريده صواريخ لأوكرانيا بقيمة 300 مليون دولار، إذن نحن أمام رئيس مرتبك، يحتاج إلى من يحذره أو ينبهه من خطورة أحاديث وتصريحات متناقضة تمامًا وكأنه يكذب نفسه ويخلق مناخًا عامًا بانعدام الثقة فى الرئيس الأمريكى وهذه كارثة، بدأت تعانى منها الإدارة الأمريكية، وعلى مدار الحرب الأمريكية ــ الإيرانية، لم يصدق أى تصريح أو تهديد للرئيس ترامب، تحدث عن أن إيران ستنهار فى غضون أيام وحتى الآن ورغم دخول الحرب شهرها السادس لم يحقق أى هدف وخرج للعالم يزعم أن مضيق هرمز تم تحريره ومفتوح أمام التجارة العالمية وعبور الناقلات وإذا بإيران تكذب ذلك على أرض الواقع وأنه لا توجد سفينة أو ناقلة تستطيع العبور إلا من خلالها وأنها تحكم قبضتها على المضيق وتبيع وتشترى فى العالم، الهجمات الأمريكية العسكرية بعد فشلها فى تحقيق أهدافها، استبدلت بإتخاذ إجراءات الحصار الاقتصادى للضغط على طهران للاستسلام، لكن دون جدوي، ومازال ترامب يقول إن إيران تعانى من أزمة مالية ولا تستطيع صرف رواتب جنودها، ثم خرج ترامب من فرط فشله يقول إن مضيق هرمز لا يعنى الولايات المتحدة ومن يعنيه أمر المضيق فليأت ليحرره من السيطرة الإيرانية وفى الوقت نفسه يعاود ترامب تصريحاته أنه سوف يسيطر على المضيق وسيقوم بتحصيل رسوم مقابل العبور الآمن وتعويضًا لخسائره فى الحرب ثم يتراجع ويقول إن بعض الدول وعدت بضخ استثمارات فى الولايات المتحدة، ويستمر مسلسل التناقضات أو «المعلم حنفي» حتى يصبح مضيق هرمز هو لب وجوهر وأساس المفاوضات واشكالياتها ومعضلتها بسبب الشروط المتبادلة حول المضيق لكن التقارير والتحليلات والنوايا الخفية كشفت ألاعيب ترامب، ودفعت بالمضيق ليكون أحد أهم أسباب الهجمات والحرب الأمريكية ــ الإسرائيلية على إيران، فالمحللون أكدوا أن الصراع ينحسر بين «الممر الهندي» الذى تقوده الصين، وانتهت من الجزء الأعظم منه إذن هى حرب الممرات البحرية الحيوية والإستراتيجية وإسرائيل محطة للممر الهندى توليها أهمية اقتصادية كبري، وهذا الصراع يفسر أمرين حول تمسك إيران وسيطرتها لمضيق هرمز وإحكام قبضتها عليه وكأنها كانت تتوقع ذلك منذ فترة، الأمر الثانى يفسر سر الدعم الصينى اللامحدود لإيران ولولا هذا الدعم ما كانت إيران لتصمد وهو ما تدركه واشنطن وإدارة ترامب جيدًا وألمح إلى ذلك عندما قال إذا تأكد دعم الصين لإيران فإن الرئيس الصينى سيكون محبطًا والتساؤلات المهمة التى تطرحها المشاهد والمواقف الحالية هى الأزمات التى تضغط وتحاصر ترامب ستؤدى إلى إنهاء الحرب خاصة فيما يتعلق بنفاد الذخائر والصواريخ الدفاعية وهو مأزق كبير فى ظل التطور والقدرات الصاروخية الإيرانية المدعومة من الصين وروسيا أم أن ترامب سوف يخدع إيران بهدنة أو اتفاق مؤقت لحين سد ثغرات الذخائر؟ وهو أمر أيضا قيد الاتفاق سيصب فى مصلحة إيران تستفيد بالوقت لإصلاح الأسلحة والمنظومات ومنصات اطلاق الصواريخ التى تعرضت للقصف والاستفادة من دروس الحرب على مدار الأشهر الماضية، وسوف تستفيد عسكريًا واقتصاديًا أيضا برفع العقوبات والسماح بتصدير النفط وربما الحصول على تعويضات، وستلعب أجهزة المخابرات الصينية ــ الروسية ــ الإيرانية دورًا كبيرًا فى الكشف المسبق عن نوايا الإدارة الأمريكية وإسرائيل إذا قررتا العودة للحرب لذلك ظنى أن الدعم الصينى والروسى سيرتفع حتى إذا ما توقفت الحرب، لأن الصراع بالنسبة للاطراف المختلفة هو صراع نفوذ ومصالح، فالصين لن تسمح بتقويض مشروعها خاصة حلمها الأساسى والاكثر فى طريق الحرير وتعمل أمريكا وإسرائيل وحلفاؤهما أطراف الممر الهندى على التخلص من مشروع الصين والسيطرة على أبرز وأهم الممرات البحرية فى الشرق الأوسط والمنطقة وبطبيعة الحال فإن مضيق هرمز يمثل أهمية كبرى للعالم والتحكم فيما يزيد على 20٪ من حجم التجارة العالمية، خاصة النفط ومصادر الطاقة من هنا فالحرب لم تأت فقط للتخلص من النظام الإيراني، أو البرنامج النووي، ولكن إعادة خريطة النفوذ والمصالح فى المنطقة ومحاولة حسم الصراع لواشنطن وتل أبيب وحلفائهما لذلك هناك حالة من عدم التضييق وغياب الثقة فى المنطقة وفى نوايا بعض الدول الحليفة لأمريكا والتى لا تستطيع الخروج عن طوعها وتأتمر بأوامرها، هذه الدول ربما تعمل على استدراج وتوريط دول أخرى بإيعاز أمريكى صهيوني، لكن هذه الدول تدرك وتعى محاولات التوريط والاستدراج وتتصرف بذكاء وحكمة وتعلى من شأن المصلحة الوطنية وحتمية الحفاظ على القوة والقدرة لحماية الأمن القومى المحاصر بالتهديدات من كل اتجاه.
من يتعرف على أطراف «ممر الهند» أو الممر الهندى يدرك أطراف الصراع، أو أسبابه فهناك أطراف تخوض الحرب ضد إيران «التى تحارب بالوكالة عن الصين» وأيضا الاطراف التى تقوم بالدور التمثيلى والهزلى ودور الضحية لكنها فى الحقيقة ضالعة فى الحرب لأنها من مؤسسى مشروع الممر الهندى لذلك فإن الصراع الحقيقى على الممرات البحرية أو حرب المشروعات والطرق ما بين الصين وأطراف مشروعها، وبين الولايات المتحدة وأطراف مشروعها الممر الهندى خاصة إسرائيل وربما هناك ممولون للحرب الأمريكية من خلف الستار، هل تتنازل واشنطن عن مشروعها والسيطرة على الممرات البحرية فى المنطقة، وهل تسمح الصين بذلك أو تتنازل عن طريقها «الحرير» لذلك ترامب يعى جيدًا أسباب الحرب وأهدافه حتى وإن بدا متناقضًا لكنه يخفى وراء ذلك الهدف الحقيقي، وهو ايقاف نفوذ الصين، وضرب مشروع طريق الحرير.