ناصر النوبي يكتب: مصر دولة لا يمكن ابتزازها بشريان حياتها!

في مصر القديمة، لم يكن الحاكم يجلس على عرش مصر إلا وهو يدرك أن أمن النيل هو أمن مصر، وأن منابع النهر ليست قضية هامشية، بل مسألة حياة ووجود.
ومنذ آلاف السنين، أدرك المصري أن من يهدد النيل يهدد مصر كلها.
المفارقة أن التاريخ المصري القديم كان قد قطع شوطًا هائلًا في بناء الدولة وتوحيد البلاد، بينما ظلت مناطق أخرى أسيرة للصراعات الداخلية والانقسامات والحروب. المصري القديم وحّد مصر منذ أكثر من خمسة آلاف عام، وأقام دولة مركزية، وصنع حضارة لا تزال البشرية تقف أمامها مبهورة حتى اليوم.
أما الذين يعيشون بعقلية الصراع الدائم، ويبحثون عن مجدهم في استعراض القوة على جيرانهم، فعليهم أن يفهموا أن مصر ليست ساحة لتصفية عقد التاريخ، وليست دولة يمكن ابتزازها بشريان حياتها.
مصر لا تريد الحرب، لكنها لا تخافها.
والعهود والاتفاقيات لا تكون لها قيمة إذا تحولت إلى أوراق تُنتهك متى شاء أحد الأطراف. ومن لا يردعه احترام العهد، تردعه قوة الدولة وقدرتها على حماية مصالحها.
فالقضية هنا ليست خلافًا سياسيًا عابرًا، وليست خصومة بين حكومات؛ إنها قضية شعب كامل، وقضية نهر قامت عليه حضارة عمرها آلاف السنين.
والرسالة يجب أن تكون واضحة:
النيل خط أحمر، وأمن مصر المائي ليس مجالًا للمساومة أو التجارب أو فرض الأمر الواقع.
لقد تعلم المصري عبر آلاف السنين أن القوة لا تعني العدوان، لكنها تعني أن يكون لديك من القدرة ما يمنع الآخرين من التفكير في الاعتداء عليك.
مصر تستطيع أن تمد يدها للسلام، لكنها تستطيع أيضًا أن تقول: كفى.
وحين تصل الأمور إلى تهديد وجود دولة بأكملها، فلا مكان للضعف، ولا للمجاملات، ولا للرهان على أن الزمن سيحل المشكلة وحده.
الرحمة لمن يستحقها، والسلام لمن يحترمه، أما من يظن أن مصر يمكن أن تُحاصر في شريان حياتها، فعليه أن يقرأ التاريخ جيدًا.
فمصر ليست دولة وليدة في هذا الإقليم.
هذه أرض صنعت الدولة قبل أن يعرف كثيرون معنى الدولة، وصنعت الحضارة قبل أن تُكتب معظم صفحات التاريخ.
ولهذا، فإن من يقترب من النيل عليه أن يتذكر دائمًا:
أن وراء هذا النهر شعبًا، ووراء هذا الشعب تاريخًا، ووراء التاريخ دولة لا تقبل أن يُمس أمنها المائي.