جيهان عبد الرحمن تكتب : نحن أيضًا نعود من الحروب مهزومين

جيهان عبد الرحمن
بضغط من الأبناء، وربما رغبة في كسر رتابة الأيام، ذهبت معهم إلى السينما لمشاهدة فيلم «الأوديسة» للمخرج كريستوفر نولان. كان الإقبال اللافت من الشباب والعائلات أول ما استوقفني، وصعوبة الحجز الذي امتدت إلي اسبوعين، ثم جاءت المفاجأة الثانية: شعور غريب بأنني أشاهد حكاية أعرفها منذ زمن بعيد.
تذكرت أنني شاهدت «الأوديسة» من قبل، ربما في السبعينيات أو الثمانينيات، حين كان التلفزيون المصري نافذة مفتوحة على الثقافة والفنون العالمية. فقد تناولت أعمال سينمائية وتلفزيونية قديمة ملحمة هوميروس، من بينها الفيلم الإيطالي عام 1954 بطولة كيرك دوجلاس، ومسلسل عام 1968 في ثماني حلقات.
الفيلم الجديد يعيد تقديم واحدة من أقدم الملاحم الأدبية، ويضعها أمام أسئلة تبدو شديدة المعاصرة.
حرب طروادة، التي استمرت ـ وفق الأسطورة ـ عشر سنوات بين الإغريق والطرواديين، وتنتهي بحيلة حصان طروادة التي ابتكرها أوديسيوس، ثم تبدأ حكايته الحقيقية وهي رحلة العودة إلى إيثاكا.
عشر سنوات من الحرب، وعشر سنوات أخرى من التيه والمخاطر، عشرون عامًا !
زمن يكفي لكي يكبر طفل، وتتغير مدينة، ويتحول الغائب من إنسان إلى ذكرى.
وهنا تكمن قوة «الأوديسة».
ربما كان أوديسيوس يظن أن أصعب ما في الحرب هو القتال، وأن أصعب ما في العودة هو الطريق. لكنه لم يكن يدرك أن الأصعب هو أن تفتح باب بيتك بعد غياب طويل، فتكتشف أن البيت لم يعد كما تركته، وأن الذين كنت تعود من أجلهم قد تغيروا، وأنك أنت نفسك لم تعد الشخص الذي خرج ذات يوم.
كانت بينيلوبي، زوجته، تنتظر. لكنها لم تكن تنتظر وحدها؛ كانت تمثل كل الذين يعيشون على احتمالات العودة: أمًا تنتظر ابنها، وزوجة تنتظر زوجها، وأبًا يترك مكانًا فارغًا على مائدة الطعام، ووطنًا ينتظر أبناء ابتلعتهم الحروب والمنافي والهجرة. والأهم هنا أن الانتظار نفسه شكل من أشكال الغياب.
كانت بينيلوبي تعيش حياة معلقة؛ لا تستطيع أن تعتبر زوجها ميتًا، ولا تستطيع أن تعيش باعتباره حاضرًا. وبين الاحتمالين تتجمد الحياة.
وحين يعود أوديسيوس، لا يعود إلى الزمن الذي تركه.
يجد زوجة تغيرت، وابنًا أصبح رجلًا، ومدينة تبدلت ملامحها، ويكتشف الحقيقة الأقسى: لا أحد يعود من رحلة طويلة كما خرج منها.
وهنا تصبح إيثاكا أكثر من جزيرة.
إنها كل ما نظن أن العودة إليه ستعيد إلينا أنفسنا: الوطن، الأسرة، الحب، الماضي، وحتى أحلامنا القديمة.
لكن العودة ليست استعادة، بل مواجهة بين ما احتفظنا به في الذاكرة وما نجده أمامنا على أرض الواقع.
وكم من «طروادة» نخوضها نحن أيضًا؟
وظيفة، زواج، صراع، غربة، معركة لإثبات الذات.
نخرج إليها ونحن نظن أننا سنعود منتصرين، ثم نكتشف أن المعركة الحقيقية لم تكن خارجنا، بل داخلنا.
نحصل على المال ونفقد الوقت، ننتصر في معركة ونخسر علاقة، نحمي كرامتنا فنفقد من نحب، ونتمسك بالقوة حتى ننسى كيف نطلب المساعدة.
وربما لهذا تبدو «الأوديسة» معاصرة، خصوصًا في عالم لم تعد فيه الحروب حكايات بعيدة.
فالحرب لا تنتهي دائمًا عندما تتوقف المدافع. قد تنتهي على الأرض، لكنها تظل حاضرة في الذاكرة، وفي البيوت، وفي العلاقات، وفي نفوس الذين عادوا منها.
قد يعود الإنسان من الحرب، لكن الحرب لا تغادره.
وفي النهاية، ربما لم يكن أوديسيوس يبحث عن إيثاكا بقدر ما كان يبحث عن نفسه القديمة.
لكن تلك النفس تكون قد تبدلت في الطريق.
وهنا تنتهي الأسطورة وتبدأ الحقيقة:
أحيانًا لا تكون المأساة في أن تضيع عن وطنك، بل في أن تعود إليه فتكتشف أن الوطن لم يضع منك.. وإنما أنت الذي ابتعدت عن نفسك.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.