محمد نبيل محمد يكتب : معارك المفردات بين الثابت والمتغير فخ الشرق الأوسط (2)

ورغم إننى اتفق ـ تمام الاتفاق ـ مع دعوة الأزهرى التنويرى رفاعة رافع الطهطاوى (1801 ــ 1873) كما ظهر فكره جليا عبر مؤلفه الرصين والذى أعده الإطار النظرى لمفهوم “القومية المصرية” أو “الوطنية” بمعنى أدق “مناهج الألباب المصرية فى مباهج الآداب العصرية” 1869 … وربما كانت كلمته فى وداع أهله عندما شرع فى سفره كإمام للبعثة العلمية المصرية إلى فرنسا، وخطب فى أهله أمام بيت خاله الشيخ فراج الانصارى 1826 :”..أنا إن تركت وطنى فإنما أتركه بجسمى لا بروحى فحب الوطن من الإيمان ومن طبع الأحرار الحنين إلى الأوطان، ومولد الإنسان على الدوام محبوب ومنشؤه له مرغوب، والكريم لا يجفو أرضا بها قوابله ولا ينسى دارا فيها قبائله… يا اخوانى:أنا وإن ألبستنى المحروسة نعما ورفعت لى بين أمثالى علما فلازلت أتشوق إلى الوطن”
واختتم خطبته عن الوطنية:” … منازل لست أهوى غيرها” وهو أيضا من قال:” الوطنى المخلص فى حب الوطن هو الذى يفدى وطنه بجميع منافع نفسه ويخدمه ببذل جميع ما يملك ويفديه بروحه” بل وزاد ان جعل عشق الوطن عبادة فقال:”…حب إيصال النفع إلى الوطن، الذى حبه من الإيمان،…فإن خدمة مصر، فريدة العصر، دار هجرة الفهم، المبرزة لكل شهم”.
ومن شدة وفرط وطنيته المخلصة والملحوظة أنعم عليه والى مصر برتبة الصاغ “الرالئد” ليجعله فى مصاف العسكريين.
ومن طهطا سوهاج فى صعيد مصر إلى دلتاها بالغربية وبعد عام من وفاة الطهطاوى أشرقت شمس جديدة للوطنية عنوانها مصطفى على محمد كامل، فى أغسطس 1874م…في قرية كتامة الغابة التابعة لمركز بسيون لوالد من ضباط الجيش المصرى، الذى رُزِقَ بابنه مصطفى وهو في الستين من عمره، وعُرِف عن الابن النابه حبُّه للنضال والحرية منذ صغره؛ وهو الأمر الذي كان مفتاح شخصيته وصاحبه على مدى 34 عامًا حتى 1908 وهو الذى اسس فى سن صغيرة جماعة الخطابة لبث خطبه ومقالاته الوطنية التى تنادى بمصر للمصريين، وكان من أشد المنادين بفجيعة محكمة دنشواى 1906 واتم دراسته بكلية الحقوق بفرنسا، وعند عودته إلى مصر، كتب كامل ونشر كتيبًا باللغة الفرنسية (لغة النخبة في مصر) بعنوان كاشف لأطروحته عن الوطنية وقناعته بمكانة مصر والمصريين.
إنما تظل المصرية هى لب وجوهر الصفات فهى القادرة على إمتصاص الحضارات المتعاقبة فى علاقة كزموبوليتانية تسيطر فيها الصفة “المصرية” الخالصة على ما خلاها من صفات الحضارات الأخرى المدنية والدينية منها.
لكن، وإلتقاطا لطرف خيط الموضوع وهو: اصطلاح “الشرق الأوسط” الذى لم يكن لنا يد فى تسميته أو نحته فى معاجم اللغات من الأساس، بل كان إصطلاحا وافدا على الثقافة المصرية والتى هى بدورها قاطرة عموم الثقافة العربية بحكم “اللغة” ومكون مؤثر فى العالم الاسلامى بأفضلية “الأزهر الشريف” وأيضا مؤثرا فاعلا فى المسيحية الشرقية لانتماء غالبية شرق الأرض ووسطها وجنوبها إلى “الكنيسة المصرية” وبحكم عبقرية المكان وأثره على الشخصية المصرية، فمصر عضوا فاعلا، وحاكما ـ أو قل إن شئت صانعا ـ للفعل المؤثر من خلال جغرافيتها المتوسطية والافريقية والاسياوية.
والأسئلة التى نبدأ فى استثارة الذهن من عندها هى:
يرد المناطقة أهل علوم المنطق: هل مصر “جزء” يُعرّف بإضافتهِ إلى “كلّ”؟
ويجيب اللغوييون: هل مصر “نكرة” تحتاج لتعريفها ضمها إلى “عَلم”؟
كما يرد اصحاب علم الحضارات: هل بقى من الحضارات القديمة دولة مدنية غير مصر؟
وعلماء الدين ماذا يرون؟: هل رِنّم ورِتّل المُقدس من الصحف والكتب السماوية دولة بمفهومها العلمى والسياسى والجغرافى غير مصر؟
وللقلاسفة والمفكرين والمثقفين والعلماء بل ومع الخواص أيضا للعوام: هل سمى الله الواحد الأحد دولة غير مصر؟