سؤال يستحق أن نتوقف أمامه طويلًا: كيف ينجح شخص مجهول بلا مؤهل أو خبرة أو سجل مهني في إقناع آلاف الناس بأنه صحفي أو طبيب أو مستشار أو خبير؟
الإجابة لا تبدأ عند المحتال، بل تبدأ عند المجتمع نفسه وتحديدًا عند الطريقة التي أصبح يمنح بها ثقته للآخرين!
فالسنوات الأخيرة لم تكشف فقط عن تكرار وقائع انتحال الصفة، بل كشفت أيضًا عن تغير حاد وعميق في معايير المصداقية.. فلم يعد الإنجاز وحده طريقًا إلى الثقة ولم تعد الخبرة وحدها كافية لصناعة المكانة، بل دخلت عناصر وأدوات جديدة إلى المعادلة.. صورة متقنة ومقطع مصور وحساب يحظى بآلاف المتابعين، وظهور متكرر على شاشة تلفزيونية ، وهكذا بدأ اللقب يسبق الحقيقة وأصبح الظهور أحيانًا أهم من الاستحقاق !
ولأن كثيرين اختزلوا المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي وانصرفوا إلى اتهام التكنولوجيا بأنها السبب ، لكن التكنولوجيا لم تخترع الكذب ولم تبتكر انتحال الصفة .. فهذه جرائم عرفها المجتمع قبل الإنترنت بسنوات طويلة ،
وما فعلته التكنولوجيا أنها اختصرت الزمن وضاعفت سرعة الانتشار، وكشفت ما كان يجري في نطاق ضيق أمام ملايين البشر في لحظات.. كما منحت المجتمع وسيلة رقابة شعبية ترصد الوقائع بالصوت والصورة وتدفع مؤسسات الدولة إلى التحرك بسرعة أكبر.
غير أن التكنولوجيا صنعت في الوقت نفسه بيئة مثالية لتكوين ما يمكن تسميته بـ” الدائرة المغلقة للثقة الزائفة “ والتي تبدأ – الدائرة – على منصة رقمية حيث ينجح شخص في صناعة حضور لافت فتلتقطه بعض وسائل الإعلام لأنه أصبح حديث المنصات، ثم يعود إلى جمهوره مكتسبا صورة جديدة.. صورة الضيف التلفزيوني أو الخبير الذي استضافته الفضائيات.. عندها تتضاعف الثقة وتزداد أعداد المتابعين.. فتعود المنصات والإعلام إلى تقديمه مرة أخرى باعتباره شخصية مؤثرة!
وهكذا لا تصنع الخبرة هذا الحضور بل يصنعه تكرار الظهور ليمنح كل طرف الآخر قدرًا إضافيًا من الشرعية !
ولا تقتصر المشكلة على هذا التبادل بل تمتد إلى تغير سلوك الجمهور نفسه الذي اعتاد كثيرون منهم علي تقييم الأشخاص من خلال الشهرة لا المعرفة ، ومن خلال الصورة لا السيرة ، ومن خلال عدد المتابعين وليس حجم الإنجاز.. ومع كل مرة يتراجع فيها معيار الكفاءة يقترب المحتال خطوة جديدة من هدفه!
ويزداد المشهد تعقيدًا عندما تتحول بعض الفقرات الإعلامية المدفوعة إلى بوابة لعبور من يملك المال إلى مساحة الثقة العامة ، فالمشاهد لا يرى تفاصيل التعاقد ولا يعرف طبيعة الظهور، بل يرى شخصًا على الشاشة فيفترض تلقائيًا أن جهة إعلامية تحققت من صفته وخبرته ، ومن هنا تبدأ عملية “غسل السمعة”، فيتحول اللقب المصنوع إلى حقيقة راسخة في أذهان كثيرين !
ولذلك فإن مواجهة الظاهرة لا تبدأ فقط من قاعات المحاكم ولا تنتهي عند تغليظ العقوبات. فالقانون يعاقب من ينتحل الصفة لكنه لا يستطيع وحده أن يعالج مجتمعًا يمنح ثقته قبل أن يطلب الدليل.
كما أن الإعلام مطالب باستعادة دوره بوصفه حارسًا للمصداقية ومشاركا في إنتاجها .. لا مجرد ناقل لما يتصدر المنصات فيما يحتاج الجمهور إلى استعادة عادة قديمة لكنها لا تزال الأكثر فاعلية : أن يسأل قبل أن يصدق.
فالخطر الحقيقي لا يكمن في وجود من ينتحل لقبًا وإنما في وجود بيئة تمنحه هذا اللقب بسهولة ثم تدافع عنه وتعيد إنتاجه وتمنحه شرعية جديدة كلما ظهر على شاشة أو تصدر منصة !
وعندما تصل المجتمعات إلى هذه المرحلة لا تصبح أزمة انتحال الصفة مشكلة قانونية فحسب، بل تتحول إلى أزمة ثقافة ومعايير وثقة.
لهذا فإن المعركة الحقيقية لا تدور بين المجتمع والمحتال ، بل تدور بين الحقيقة والصورة وبين الاستحقاق والظهور ، وأي مجتمع ينتصر فيه الظهور على الاستحقاق لن يعاني فقط من كثرة منتحلي الصفات بل سيجد نفسه بمرور الوقت يعيد تعريف المصداقية على أسس لا علاقة لها بالحقيقة ، وهنا الكارثة