كأغصان الأشجار الكثيفة التي تتشابك في أكثر الحالات وتتفرق في أقلها، هكذا تبدو المظلات الشمسية المتجاورة على الشاطئ، تنفذ من حوافها الدائرية أشعة الشمس القوية لترتكز على بعض المناضد أو فوق الرؤوس أو تسقط على زجاج النظارات لتنعكس في الاتجاه المقابل أو المجاور، الشاطئ مزدحم لكنه يبتسم للجميع، العيون ناطقة بالشوق لهذا المكان منذ رحيل الصيف الماضي وعلامات من البهجة وحديث المصطافين مع ذويهم كل ذلك يرسم لوحة لا تحتاج إلى شرح أو تفسير.
تستعد إحدى الأسر للانصراف لارتباطها بموعد ما، زوجة شابة مع زوجها وطفليها ورجل عجوز وامرأتين، عيناها تفصحان عن نبع من السحر، شفتاها حبتان من اللؤلؤ أما الخدان فلا يغرب عنهما النور، تصنع بابتسامتها سعادة الأسرة كلها، هي طرف في جميع الحوارات، تداعب الكبار وتلبي مطالب الصغار، ينصت الجمال إليها ليستمد من بسمتها وروحها المرحة بهجة قلما يراها فوق الوجوه، أميرة هي ولا أميرة سواها، يكفي العالم نظرة من عينيها ليرتوي من السعادة وينسى الهموم وعقبات الحياة، تلك هي الحياة نفسها.
بيديها الناعمتين تبدأ الشابة في جمع أغراض الأسرة وتضعها في حقائب بعضها من الجلد والبعض الأخر من البلاستيك، ترتب ملابس البحر بطريقة مدهشة، أما أواني الطعام فيتم التنظيف المبدئي للفارغ منها، لا يزال بإيدي الصغيرين بعض الطعام أما الجد فيتناول أخر جرعة من كوب الشاي ثم يعطيه للحسناء لوضعه في إحدى الحقائب، تتبادل السيدتان حوارا عن رغبتهما في البقاء لولا ارتباط الجد بموعد عند الطبيب، تبتسم الجميلة داعية له بالشفاء على وعد بالعودة ثانية حين تسمح ظروف عمل زوجها.
يمسك الزوج ببعض الأغراض بينما تمسك المرأتان بأشياء سهلة خفيفة في حين تحمل الشابة أحد الأطفال على يدها بينما يسير الآخر ممسكا بيد جده، تختفي الأنوار لحظة تحركها، يبدو المكان قفرا موحشا، الرمال تمسك بقدميها راجية البقاء، يثور الموج رافعا صوته كنغمات أغنية حزينة صاخبة، إلى أين؟ أما مقعدها فيبدو متجهما محاولا إخفاء دموعه لكنها تنساب كالطوفان حين تدنو منه سيدة بدينة جاحظة العينين غليظة الشفتين تذكرنا بأفلام الرعب القاتلة، هنا يتسائل المقعد: هل من قلب رحيم ينقذني؟