الإعلامي محمود عبد السلام يكتب : نصيحة محفوظ لهانى صاحب المصريين

في ليلةٍ صيفيةٍ هادئة، رحل عن دنيانا من علّمنا كيف يُغنى الوطن ببساطة.
رحل هاني شنودة… فتوقف النغم، واهتزت القلوب.
كان لحناً يمشي بيننا، يزرع في الشوارع الحواديت، وفي الأفلام شجناً، وفي البيوت دفئاً.
اليوم نودعه كما نودع فصلاً كاملاً من موسيقانا، بدمعةٍ وتصفيقةٍ طويلة.

ولد هاني شنودة في مدينة طنطا عام 1943، ومن هناك انطلقت نغماته الأولى. تخرج في كلية التربية الموسيقية عام 1966، ثم نهل من معهد الكونسرفتوار حتى صُقلت الموهبة بالعلم، فصار موسيقاراً لا يُشبه أحداً.

وفي سبعينيات القرن الماضي، وبعد نصيحةٍ من الأديب الكبير نجيب محفوظ بأن يقدّم الموسيقى الغربية في ثوبٍ مصري أصيل، فجّر هاني ثورةً موسيقية ناعمة بإعلانه ميلاد “فرقة المصريين”. لم تكن مجرد فرقة، بل كانت إعلان استقلال للأغنية المصرية. مزج الكلمة المعاصرة بتوزيعٍ غربي وإيقاعٍ سريعٍ خفيف على القلب، فخرج لنا شكلٌ جديد من الغناء ما زلنا نردده حتى اليوم.
وكان لشنودة عينٌ لا تخطئ الموهبة. هو من التقط صوت “الكينج” محمد منير من بين الزحام، وهو من قدّم للعالم شاباً اسمه عمرو دياب. لم يصنع نجوماً فقط، بل صنع أجيالاً.
أما ألحانه، فهي دفتر ذكرياتنا.
لنجاة الصغيرة أهدى “أنا بعشق البحر” و”بحلم معاك”.
ولأحمد عدوية صاغ “زحمة يا دنيا زحمة” فصارت لسان حال الشارع.
ولفرقته كتب “ماشية السنيورة” فصارت علامة.
وفي السينما، كان هو الظل الذي يمشي مع الصورة. من “المشبوه” إلى “الحريف” و”غريب في بيتي” و”شمس”… كانت موسيقاه هي التي تقول ما عجزت الكاميرا عن قوله.
ومن أجمل ما ترك لنا، موسيقى “اللونجا” التي عرفها الجميع كمقدمة برنامج “الكاميرا في الملعب”.
في ليلةٍ شتائية استدعى هاني صديقه الإعلامي قطب عبد السلام إلى استوديوه الخاص في الهرم. عرض عليه عدة مقطوعات، واختار قطب من بينها لحن اللونجا. لم يكن أحد يعلم يومها أن هذا الاختيار سيتجاوز شاشة التلفزيون، ليصبح رنةً في ملايين الهواتف، وذاكرةً صوتيةً لكل بيت مصري.
رحم الله قطباً… ورحم الله هاني. فقد التقيا في لحن، وافترقا في الخلود.
سلاماً لهاني الذي علّمنا أن الموسيقى ليست ترفاً، بل هي الطريقة التي يتنفس بها المصريون.
وما دامت نغماته تعيش فينا، فصاحب “المصريين” لم يرحل.