الدكتور محمد فرمان يكتب السيرة النبوية: شبهات وردود

كاتب المقال مدير مجلة البعث الإسلامي، (الهند )

دكتور محمد فرمان

ما زالت سنة الصراع والتدافع قائمةً منذ خلق الله تعالى الإنسان، وإن اختلفت أشكالها، وتنوعت صورها، وتعددت مسالكها ، ولا يزال أعداء الإسلام يكرِّسون جهودهم لطمس معالم الدين، وتشويه صورته من طرق شتى، وأساليب متنوعة، رغم أن الله قد تكفل بصيانة الإسلام والقرآن والسنة، وضمن له البقاء والخلود، وجعله في حصن حصين وحصار آمن من الضلال والانحراف والابتداع والاختلاق، وقد نشأت في الآونة الأخيرة جماعة من المستشرقين نسجت خيوط المؤامرة وحاكت دسائسها تحت شعار العلم والتحقيق، ونفثت السموم في بحوث وكتابات، وهي تستند إلى أكاذيب وافتراءات، أقامت عليها صروح أفكارها الهزيلة، ومباني آرائها الجوفاء، وهذه التدليسات والتلفيقات تتناول مصادر الإسلام أمثال القرآن والسنة والسيرة النبوية والتاريخ الإسلامي المشرق، رغم أن هذه الينابيع الثرة بعيدة عنها، وبريئة منها مثل براءة الذئب من دم يوسف، ولا تعود تبعتها إلا على هؤلاء المبرمجين المشئومين:

كناطح صخرة يوماً ليوهنها فلم يضرها، وأوهى قرنها الوعل

تصدى لدحر هذه الشبهات والأقاويل لفيف من علماء المسلمين ، وقد فندوا هذه الشبهات ، وأقاموا الحجج والبينات على نقاء صورة الإسلام وصفاء ديباجته ، فظهر وجهه من جديد مشرقاً مستنيراً ، اهتدى إليه الخاصة والعامة من غير المسلمين ، نتناول في السطور الآتية عدة تساؤلات للمستشرقين وردود العلماء عليها ، حتى لا يتطرق شك وريبة إلى أذهان الأجيال الناشئة ، ولا تنشأ في عقولها بذور الإلحاد والزندقة :

*نشر محمد دينه بالسيف* ” :

هذه الشبهة أثارها أعداء الإسلام أن الناس دخلوا في الإسلام بالقهر والجبر والإكراه ، ولم يدخلوه بطواعية نفس أو عن رضا ورغبة ، وقد حرَّض محمد ( صلى الله عليه وسلم ) أتباعه على القتال ، وكان متعطشاً للدماء ، ولاشك أن هذا الاتهام لا علاقة له بالواقع ، ولم يدخل الناس في الإسلام أبداً بالجبر والقهر ، وإنما دخلوا فيه فرحين مسرورين ، آمنين مطمئنين ، وقد وجدوا فيه ضالتهم المنشودة ، وبغيتهم المفقودة ، فلما رأوا تعامل رسولهم صلى الله عليه وسلم وتعامل أصحابه والذين اتبعوهم بإحسان تأثروا به للغاية ، ودخلوا في الإسلام فرادى وجماعات ، إن محمداً صلى الله عليه وسلم نادى منذ أول يومه بالعدل والمساواة ، والرفق بالضعفاء ، وأخرج الناس من استعباد العباد إلى ظلال التوحيد ، وواحات العبادات ، وقد أوذي في مكة المكرمة ثلاثة عشر عاماً ، لكن لم يحمل السلاح ضد الأعداء ، بل هم الذين رفعوا السيوف ضده ، وأخرجوه من دياره بغير حق ، وبدؤوا القتال معه ، فجميع غزوات الإسلام كانت دفاعيةً لا هجوميةً ، حُوربت غزوة بدر وأحد والخندق قريباً من المدينة ، فاضطر إلى أن يدافع عن الإسلام والمسلمين ، قال الله تعالى : ( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ) [ الحج : 39 ] .

أما هذا الادعاء أن الإسلام انتشر بالسيف والقتال ، فلا أصل له ، لأن منهج الإسلام في تقديم الإسلام وعرضه أمام الناس هو أن تعرض كلمة التوحيد أمام الناس ، فإذا نطقوا بها فقد دخلوا في الإسلام ، وإذا رفضوها اقترح عليهم تقديم الجزية ، وإذا لم يقبلوا هذا الاقتراح حُمل عليهم السلاح ، بشرط أن لا يقتل وليد ولا امرأة ولا عجوز ، وقد كره النبي صلى الله عليه وسلم القتال ، حتى لا يحب أن يسمى الأولاد باسم حرب ومرة ، فقال مرة : أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن ، وأصدقها حارث وهمام ، وأقبح الأسماء : حرب ومرة ( متفق عليه ) ، وقد شهدت الإنسانية بأم أعينها أن النبي صلى الله عليه وسلم غزا سبعاً وعشرين غزوةً ، وبعث كذلك بضعاً وخمسين سريةً ، لكن لم يقتل من كلا الفريقين إلا ألف رجل ، هذا دليل على أن الإسلام انتشر بالسلم والسلام لا بالسيف والسلاح .

*تعدد زوجات النبي صلى الله عليه وسلم* :

* طعن المستشرقون في تزوج النبي صلى الله عليه وسلم إحدى عشرة امرأة في حياته ، وأنه كان مستسلماً للذات شهوانية، إذا درسنا الموضوع عرفنا أن تعدد الزوجات لم يكن أمراً غريباً، ولا شأناً مستهجناً في العرب، وقد كان لإبراهيم عليه السلام ثلاث زوجات، وكان ليعقوب عليه السلام زوجتان، وكان عند سليمان عليه السلام مائة زوجة ، وهلم جراً ، وكانت المصالح وراء ذلك تتعدد وتتنوع، منها عقم النساء، ومنها قتل الرجال في حرب أو حادثة، ومنها الشهوة المتزايدة في الرجال، أما تزوج النبي صلى الله عليه وسلم فكان يختلف عن ذلك تماماً، وكان لزواجه دوافع تشريعية وإنسانية وسياسية واجتماعية، ولم تكن هناك رغبة في الزواج، بل كان زواجه نظراً إلى حالاتهن الخاصة، وأسماء نسائه هي: خديجة، وعائشة، وحفصة، وأم سلمة ، وسودة، وأم حبيبة، وميمونة الهلالية، وجويرية الخزاعية، وزينب بنت جحش، وصفية ، ومارية القبطية، فتزوج النبي صلى الله عليه وسلم السيدة خديجة بنت خويلد، وهي أولى زوجاته، وكانت في عمرها الأربعين ، وجميع أولاده منها ، فلم يتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم للمتعة الجنسية ، بل كان للاستفادة من تجاربها السابقة ، وقد توفيت رضي الله عنها عن خمسة وستين من عمرها ، وتزوج النبي صلى الله عليه وسلم السيدة سودة بن زمعة بعد خديجة نظراً إلى إعانتها، لأن زوجها قد مات سكران، وتركها من غير ولد ، فخشي النبي صلى الله عليه وسلم أن قومها يبطشونها، ويفعلون بها ما يفعلون فتزوجها صلى الله عليه وسلم ، وتزوج السيدة عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنها ، وهي الزوجة البكر الوحيدة ، وقد كان زواجها في ست سنوات ، وبني عليها في تسع سنوات ، ولم يكن هذا العمر غير منسجم للزواج نظراً إلى الجو والبيئة التي تعيشها السيدة عائشة رضي الله عنها ، وكانت أكثر النساء روايةً للحديث وأعرفهن بمسائلهن ، وقد تزوج النبي صلى الله عليه وسلم أم سلمة بعد وفاة زوجها في غزوة أحد، وتزوج زينب بن جحش التي تم زواجها أولاً مع زيد بن حارثة رضي الله عنه لإبطال نظام التبني الجاهلي ، وقد كان زواج السيدة حفصة بنت عمر رضي الله عنهما لما مات زوجها خنيس ابن حذافة السهمي، وكان حزنها وحزن أبيها أضعافاً مضاعفةً، وكان زواج جويرية بنت الحارث تنتمي إلى بني المصطلق، وقد أتت في السبايا، فأعتقها النبي صلى الله عليه وسلم ثم تزوجها تأليفاً لقلوب قومها، فأسلم قومها وحسن إسلامها، وقد كان زواج أم حبيبة بعد وفاة زوجها عبيد الله بن جحش، إنها هاجرت إلى المدينة المنورة مع زوجها ، فلما توفي زوجها، كانت غريبةً في مكة ، فتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم ، وأما صفية بنت حيي بن أخطب فقد سبيت في خيبر، وكانت يهوديةً، أعتقها النبي صلى الله عليه وسلم فأسلمت، فخيرها إما أن تلحق بقومها أو يتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم ، فاختارت الزواج مع النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت السيدة ميمونة بنت الحارث قد توفي زوجها ، فكانت في حاجة إلى من يكفلها ، فتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم مواساةً لها في فقد زوجها ، تأليفاً لقومها فيخ الإسلام .

وقد اتضحت حِكم ومصالح لزواج النبي صلى الله عليه وسلم مع إحدى عشرة امرأة، وهي توفير ملاجئ للأرامل، والكفالة الاجتماعية ، وتكريم الناس بالمصاهرة، وتحبيب القوم إلى الإسلام، وإعزاز وتشريف القوم، أما التشريع والتعليم، فقد كانت هؤلاء الزوجات ينقلن أمور الدين المتعلقة بالنساء إليهن، وكانت النساء يأتين إليهن ويسألنهن عن أمور نسوية بدلاً من النبي صلى الله عليه وسلم ، المصلحة الثانية الرعاية وكفالة الأيتام ، وقد كان زواج النبي صلى الله عليه وسلم مع أكثر الزوجات نظراً إلى هذه الحكمة ، لأن أكثر أزواجه كن أرامل، فكانت الحاجة ماسةً إلى تزويجهن، لئلا يكن عرضةً للفتن، ولا يقعن فريسةً للمحن، والمصلحة الثالثة مصاهرة القبائل، وقد تزوج النبي صلى الله عليه وسلم لتوطيد العلاقات مع القبائل ، وتأليف قلوبهم للدخول في الإسلام.

هذا وأمثاله من الشبهات تُثار ضد السيرة النبوية ، فالحاجة إلى أن يدرس الجيل الجديد هذه الشبهات بعمق ودراية ، ويبحث عن ردودها في ضوء الشريعة والعقل ، ويقدمها أمام المتعطشين إليها والمصابين بمركب النقص، حتى تعود ثقتهم بالإسلام وتعاليمه السمحة ، وتعيش الأمة من جديد حياة السعادة والطمأنينة في ظلال الإسلام .

شبهات اخرى للمستشرقين.

من الشبهات التي أثارها المستشرقون حول السيرة النبوية أن اسم محمد ليس اسماً محموداً، بل هو اسم مذموم ، فقال مارغوليث : إن اسم محمد هو Mohemet – Mahound معناه ملك الظلام ، وقال مستشرق آخر : كان محمداً راهباً مسيحياً (Cardinal)، وكان يتمنى أن ينتخب قُساً ( Pope )، ولم تتحقق أمنيته فقطع صلته من الكنيسة الرومية، واخترع ديناً جديداً باسم الإسلام ، وقال آخر: إنه كان رسول الأتراك ، هكذا أبدى المستشرقون نظرات متباينةً عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

الواقع أن اسم محمد سمَّاه جد النبي صلى الله عليه وسلم عبد المطلب، رجاء أن يُحمد ويُثنى عليه، وحقاً مُدح من الله عز وجل ومن الناس بطيب خلقه وحسن سلوكه، وقد رفع الله شانه، فجعله جامع الفضائل والشمائل، وقد قرن الله اسمه باسمه في الكلمة الطيبة، وشق له من اسمه ليعزه، فذو العرش محمود ، وهذا محمد، وقد تفنن بعض الأدباء في حروف محمد صلى الله عليه وسلم فقال: الميم يدل على المحبة الدائمة، والحاء يدل على الحياة الأبدية، والدال يدل على دواء القلب، وعلاج الروح، فليس في العالم أحد يُذكر اسمه في الأذان والإقامة إلا اسم محمد صلى الله عليه وسلم ، وليس في العالم أحد أعطاه الله المقام المحمود، واللواء المعقود إلا محمد صلى الله عليه وسلم ، وجميع العلماء والدعاة تخرجوا في مدارس دنيوية، لكن محمداً صلى الله عليه وسلم تلقى علمه من فوق سبع سماوات، وقد أدَّبه ربه فأحسن تأديبه، وعلَّمه ربه فأحسن تعليمه، وكان محمد صلى الله عليه وسلم عظيم الأخلاق، جم الفضائل، كريم الشمائل، قمة الخصائل، وكان نهاية ما تصبو إليه النفوس، وذروة ما تتوق إليه القلوب، وغاية ما تنتهي إليه الرسالات والنبوات.

هذا النبي المصطفى، والرسول المجتبى الذي أرسله الله تعالى إلى الناس كافةً نبياً ورسولاً ، وبعثه إلى الإنسانية سراجاً منيراً، وقد شهد بكماله وجماله وجلاله القاصي والداني، والصديق والعدو، وهذا المحبوب الذي اتهمه أهل مكة بأنه شاعر وكاهن وساحر ومجنون، والذي سماه الكفار بأنه الأبتر والأخدج بحيث لا تستمر ذريته بعد ما توفي أبناؤه، لكن رغم كيد الكائدين وبغض المبغضين انتشرت ذريته في العالم كله ، وبلغ أتباعه ربع سكان الأرض، هذا إن دل على شيئ فإنما يدل على بقاء رسالته وخلوده إلى يوم القيامة، فتوجيه التهم المضلِّلة والأقوال الشاذة إلى النبي صلى الله عليه وسلم دليل على بغض وعداوة المستشرقين من الإسلام (قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ).

وقد كتب العلامة شبلي النعماني في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم أن مؤرخاً شهيراً في فرنسا قال بكل وقاحة: إن أبا طالب كان يريد إذلال ابن أخيه محمد، فكان يكلفه لرعي الأغنام، سبحان الله ! إن أبا طالب كان عم النبي صلى الله عليه وسلم، وكان والد النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله وأبو طالب أخوين شقيقين، رغم أن أبناء عبد المطلب كانوا من زوجات أخريات، فكان أبو طالب يحب محمداً صلى الله عليه وسلم حباً جماً، وكان لا يفارقة أبداً، وإذا سافر ذهب به في سفره، وقد سافر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم معه إلى الشام مرتين، وقد قرأ أبو طالب في عقد قرانه مع السيدة خديجة خطبة النكاح، وكان مواسياً ومؤزراً للنبي صلى الله عليه وسلم في كل مرحلة من مراحل حياته منذ طفولته إلى وفاته ، فكيف يُتصور أن أبا طالب كان يريد إذلال محمد صلى الله عليه وسلم.

إن رعي الأغنام كان عملاً شريفاً في العرب، فكانوا يرعون أغنامهم ومواشيهم، ويسرحون بها إلى المراعي والمزارع وكان هناك نظام لاستئجار المواشي، وقد رعى النبي صلى الله عليه وسلم الأغنام حينما كان في بني سعد عند السيدة حليمة السعدية، ثم كان النبي صلى الله عليه وسلم يرعى الأغنام على قراريط، وهي نوع من الدراهم والدنانير، وقد أشار الله تعالى إلى حضارة العرب هذه في القرآن الكريم: (وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ) [ النحل : 6 ] .

وقد أثار المستشرقون عن النبوة والرسالة تساؤلات كثيرة أنها نتيجة لضرب من الخيال (Auto Suggestion) أو رؤيا شيطانية، وكان محمد يحلم كثيراً، ويزعم أنه يُوحى إليه، رغم أنه افتراء، وقد ربَّى محمداً حمامةً بيضاء، وعلَّمها تعليماً، وهي جالسة على كتفه، وكانت تتناول حيناً لآخر حبوباً غذائيةً إزاء أذنه، وكان محمد يُشعر الآخرين أن الملك الإلهي جبرئيل يوحي إليه، ويملي عليه (نعوذ بالله من هذا الهراء) وقد وصف بعضهم كيفية نزول الوحي بداء الصرع (اضطراب عصبي مزمن) ، وكان يقول: إن محمداً قد تعود أن يقول للناس بعد إفاقة من نوبة قلبية تصيبه ……. أنه كان في حالة نزول الوحي ثم كان يتلو عليهم آيات من عند نفسه، أستغفر الله من هذا الهذيان، وقد وصف بعضهم النبوة أنها مقتبسة من تعليم بحيرا الراهب الذي اجتمع به محمد صلى الله عليه وسلم خلال سفره إلى الشام.

ولا شك أن النبوة والرسالة موهبة إلهية، يكرم بها الله من يشاء من عباده (ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) [ الأنعام : 124 ] ولم يكن الرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم بدعاً من الرسل، بل جاءت آلاف مؤلفة من الرسل والأنبياء في شتى الأمكنة والأزمنة، فالاستفسار عن النبوة والرسالة نوع من المكابرة والمعاندة، ودليل على الضغينة والحقد الداخلي، وأما ما يقال عن تعلم النبي صلى الله عليه وسلم من بحيرا الراهب، فكان لقاء النبي صلى الله عليه وسلم بالراهب في السنة الثانية عشرة من عمره، وهذه سن لا يستطيع الإنسان أن يستوعب المسائل الدينية كلها، وكان عم النبي صلى الله عليه وسلم معه لا يفارقه، فكيف أمكن لبحيرا أن يعلم الطفل الصغير جميع ما عنده من العلوم في جلسة واحدة .

وهناك شبهة أخرى وهي أن محمداً استبدل عبادةً وثنيةً بوثنية أخرى، فقد أمر أتباعه أن يطوفوا حول الكعبة وهي من الحجارة، ويأمرهم برمي الجمرات، كما أمرهم بتقبيل الحجر الأسود، هذه الشبهة أيضاً نشأت من قلة إلمام بالشريعة وجهالة المعترض، الواقع أن الطواف بالبيت والصفا والمروة ورمي الجمار ظل لإقامة ذكر الله، فالطائف حينما يطوف بجسده فإن قلبه وروحه متجهان إلى الله تعالى، وصدق من قال: طاف الجسد بالبيت، وطاف القلب برب البيت، وأما رجم الشيطان في الحج فهي رياضة روحية للمؤمنين، فإنه يتذكر الحرب والرجم للشيطان ويتمثل به، لكنه في الحقيقة يرجم الشيطان وتظهر آثاره في تعاملاته وسلوكياته في الحياة المستقبلية ، وأما تقبيل الحجر الأسود فقد كان إحياءً لسنة النبي صلى الله عليه وسلم مع معرفة تامة بأنه حجر لا يضر ولا ينفع، وإن يسلب الذباب شيئاً لا يستنقذه، فالطواف والرجم وتقبيل الحجر الأسود لم يكن إلا رمزاً وتدريباً على الغاية الحقيقية، وليس هو المقصود بذاته ، وقد رأينا الجندي يتدرب على تمثال من ورق، يطعنه ويصرخ، فليس هذا سخفاً وهذراً.

هذه نبذة من تُرَّهات وخزعبلات المستشرقين الذين لا يألون جهداً في إلصاق الشبهات والشكوك بالإسلام، وقد أنشأوا تحقيقاً لهذا الغرض مؤسسات ومنظمات، فلا يزالون يبثون سمومهم في كتاباتهم وينشرونها على مستويات مختلفة، وقد ساعدتهم في هذا الزمان على نشر هذه الافتراءات أجهزة الإعلام والمواقع الإلكترونية المعاصرة، والتاريخ يشهد أن علماء الإسلام لم يكونوا غافلين عن مواجهة هذه الفتنة العمياء، فقد قيض الله في هذه الآونة علماء ندوة العلماء بوجه أخص فإنهم تناولوا هذا الموضوع بجدية وإتقان، ودرسوه دراسةً واعيةً عميقةً، وكان في مقدمة هذه السلسلة الذهبية العلامة شبلي النعماني الذي فنَّد آراء جرجي زيدان ونظراته بدلائل ساطعة وبراهين قاطعة، وذلك أن جرجي زيدان حينما ألف كتابه تاريخ التمدن الإسلامي، وصوَّر فيه جانباً واحداً من المجتمع الإسلامي، وترك جوانب مشرقةً ونواحي بارزةً رفع اللثام عنها الكاتب القدير والعالم الألمعي والمفكر اللوذعي الشيخ شبلي النعماني، ودحض جميع الشبهات والشكوك المثارة ضد المجتمع الإسلامي، وإن دراسته البحثية حول الموضوع تُعرف بالانتقاد على تاريخ التمدن الإسلامي، وقد نشرت في مجلة المنار المصرية التي كان يرأس تحريرها العلامة رشيد رضا رحمه الله ، فقد نشر هذه الدراسة باعتناء بالغ، ثم واصل العلامة شبلي النعماني هذه المسيرة العلمية، فكشف كل ما كتب المستشرقون الحاقدون على الإسلام حول القرآن والسيرة النبوية والتاريخ الإسلامي، وقد تبعثرت آراؤه النقدية في موسوعة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ومقالاته العلمية الأخرى، وقد مشى على هذا الدرب العلمي خلفه وتلميذه النابغ العلامة السيد سليمان الندوي فإنه كتب سلسلةً من الدراسات والكتابات العلمية في مجلة معارف الشهرية الصادرة من دار المصنفين بأعظم جراه، وقد جمعت هذه الدراسات باسم : مقالات سليمان ، كما توجد نظراته العلمية في تاريخ أرض القرآن وتكملة سيرة النبي وغيرها من الكتب العلمية .

والجدير بذكر أن دار المصنفين بأعظم جراه قد عقدت ندوةً علميةً حول ” الإسلام والمستشرقون ” في رحاب دار المصنفين عام 1982م، حضرها أقطاب العالم الإسلامي وأهل العلم والدراسة، وقد قاد هذه المسيرة العلامة الإمام السيد أبو الحسن علي الحسني الندوي، وقدم فيها بحثاً قيماً ، نُشر باسم ” الإسلام والمستشرقون “، ولا ننسى جهود المجمع الإسلامي العلمي بلكناؤ الذي يعمل تحت إشراف وتوجيه الإمام أبي الحسن علي الحسني الندوي منذ 1959م، فإنه أثرى المكتبة الإسلامية بتراثه العلمي ومؤلفاته القيمة في أربع لغات : العربية والأردية والهندية والإنجليزية، هذا ما أنجزه أسلافنا الكرام ، كأنهم يقولون:

هذه آثارنا تدل علينا فانظر بعدنا إلى الآثار.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.