الكاتب الصحفي عصام عمران يكتب : حرب البدائل !!

أخيرا وبعد أربعة شهور توقفت الحرب بين إيران والكيان الإسرائيلي وأمريكا ،ورغم توقيع الجانبين الأمريكي والايرانى مذكرة تفاهم تضم ١٤ بندا يتم بموجبها بحث التوصل لاتفاق نهائي لوقف الحرب وانتهاء الصراع ، إلا أن الآثار السلبية التي خلفتها الحرب ستبقى لا سيما فيما يتعلق بالاقتصاد العالمى وفى القلب منها تداعيات ذلك على حركة الطاقة العالمية .
المؤكد أن هناك ترتيبات جديدة سيشهدها العالم نتيجة هذه الحـرب و نستطيع القول أنه بالفعل “وجه الشرق الأوسط قد تغير!”، وأن المنطقة لن تعود كما كانت، لا في أسس محاور الصـ ـراع التقليدي الذى استمر آخر 40 سنة بين إيران وإسـرائيـل بشكل أو آخر، ولا حتى بدور الخليج وأهميته الاستراتيجية في الاقتصاد العالمي مع مستقبل مختلف لأمن الطاقة !.
ومن هذا المنطلق يرى الخبراء و المتخصصون أن الموقف الحالي بعد انتهاء الحـ ـرب لن يتم معالجة آثاره بين يوم وليلة، لأن شرايين الاقتصاد الخليجي والإيراني تنزف بشدة من آثار دمار الحـ ـرب، ومضيق هرمز يحتاج لفترة طويلة حتى يعود لقوة الملاحة الطبيعية و المعتادة من خلال المرور به.
الأمر الذى جعل العديد من الدول تبحث عن بدائل حقيقية وآمنة لمضيق هرمز، وهو تحدى لا يقل شراسة عن حرب السلاح ، حيث صرح الرئيس الفرنسي ماكرون بأنه لا بد من وجود دور لمصر لنقل الغاز والبترول من الخليج لأوروبا عبر طرق بديله، ونفس الأمر يتم تخطيطه من قبل المملكة العربية السعودية التى تريد عدم البقاء تحت رحمة إيران وتوتر الوضع الجيوسياسي في المنطقة، في ظل اعتمادها الكبير على البترول ومنتجاته كأصول اقتصادية.
وفى هذا الإطار تبحث دولة الإمارات العربية جدياً عن مستقبل بعيد عن طرق تجارة مضيق هرمز، وهو ما يعد بمثابة تحول استراتيجي أساسي لرؤية الإمارات ما بعد الحـرب، خاصة أنه حتى اللحظة غير مفهوم كلام إيران عن التنسيق مع سلطنة عمان من أجل إدارة مضيق هرمز، وعدم تعليق الجانب الأمريكي على ذلك! ، مما جعل وزير التجارة الخارجية الإماراتي ثاني الزيودي يقول بوضوح أن بلاده تستـهدف الوصول إلى “صفر اعتماد” على مضيق هرمز سواء أُعيد فتحه بالكامل أم لا!.
ومع ذلك يظل السؤال المطروح بقوة ، هل الخليج يستطيع الاستغناء التام عن مضيق هرمز؟! .
والإجابة باختصار ووفقا للخبراء والمتخصصين فإن الخليج يعى جيدا الصـ ـراع الكبير مع إيران وحجم الضرر والمطامع منها، وشهد بنفسه خلال 30 عاما و حتى قبل الحـ ـرب الأخيرة، مستوى الاستعداء الإيراني للخليج ومحاولات الاختراق لدوله، ولذلك استعدت كتير من دول الخليج بمحاولات مهمة لبناء خطوط أنابيب بديلة، لكن هذا ليس معناه القدرة الحقيقية على الاستغناء التام عن مضيق هرمز، لأسباب كتيرة وتحديات لوجستية وجيوسياسية واقتصادية تضغط على أصول وموارد الخليج بطبيعته الجغرافية واعتماده الكبير على تصدير النفط كمحرك رئيسي لاقتصاد أغلب دول الخليج.
ومن هذا المنطلق فإنه من الصعب جدا الاستغناء الخليجي الكامل عن مضيق هرمز مهما حدث، لعدة أسباب أهمها أنه يمر عبر مضيق هرمز نحو 20 إلى 21 مليون برميل من النفط يوميًا (ما يعادل حوالي 20% من الاستـ ـهلاك العالمي للنفط)، بالإضافة إلى كميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال وهو حجم ضخم جدا لايمكن تعويض تصديره بطرق بديله غير النقل البحري المباشر.
وكذلك فإن الخطوط الخليجية البديلة الحالية المصممة لنقل النفط بعيدًا عن المضيق لا تكفي لنقل غير جزء بسيط من الصادرات الخليجية، مثل خط أنابيب شرق-غرب (السعودية) الذى ينقل النفط من شرق المملكة إلى موانئ البحر الأحمر (ينبع)، وتبلغ طاقته الاستيعابية القصوى المحدثة نحو 5 إلى 7 ملايين برميل يوميًا، لكنه لا يُستغل بالكامل للعبور الخارجي طوال الوقت، كما أنه مخصص للنفط السعودي فقط ولا يستوعب نقل دولي أكبر بدلاً عن هرمز.
ونفس الأمر ينطوى على الإمارات التى تخطط بعد ما سببته الحـ ـرب الإيرانية إلى الاستغناء عن مضيق هرمز، فعندها خط أنابيب( حبشان-الفجيرة) الذى ينقل النفط الإماراتي مباشرة إلى ميناء الفجيرة المطل على خليج عمان (بحر العرب)، وتبلغ طاقته الاستيعابية نحو 1.5 مليون برميل يوميًا، لكنها لا تغطي مجمل إنتاج الإمارات، رغم أنه بالتأكيد يمكن للإمارات العمل الاقتصادي الجاد مع عمان لتحقيق بدائل لا تخضع لمزاج النظام الإيراني !! .
علاوة على ذلك فهناك دول خليجية حبيبسة بلغة الجغرافيا وتعتمد كلياً على مضيق هرمز مثل الكويت و البحرين، وكذلك الحال بالنسبة لدولة بحجم العراق وثرواته ،ولهذا يعتمد أغلبهم على التصدير المباشر من مضيق هرمز.
أخيرا وليس آخرا نؤكد أن هذا الكلام لايعني عجز خليجي عن خلق بدائل تخفف حجم الكميات المعتمد تصديرها على أمن مضيق هرمز المهـدد من إيران بشكل أو آخر، لكن يمكن للخليج تخفيف الصدمة الاقتصادية بعد الحـ ـرب الإيرانية، بنقل جزء من صادراته النفطية ببدائل بعيدة عن مضيق هرمز ومع ذلك تبقى فكرة الاستغناء التام عن المضيق أمر في غاية التعقيد، ويمكن أن يتدهور من خلاله ضرب الاقتصاد النفطي في الخليج ، مما يتسبب في شلل لجزء كبير من الصادرات النفطية والغازية الخليجية، و أزمة حقيقية لدول تعتمد على النفط الخليجي، إذا لم تبحث الدول المستوردة للنفط والغاز الخليجي عن بدائل آمنة ومناسبة في ذات الوقت ! .