الدكتور طلعت عبد الله أبو حلوة يكتب : شهادة إنصاف لرسول الإسلام من المستشرق الإنجليزي توماس كارليل

الدكتور طلعت أبو حلوة

لقد اعتاد ودَرَجَ بعض المستشرقين المنصفين أن يكتبوا عن النبي محمد -ﷺ- إعجابًا وانبهارًا بعظمته، وإنصافًا للحقيقة، وانتصارًا للفضيلة، ومن هؤلاء الكتاب المستشرق الفيلسوف الإنجليزي توماس كارليل حيث صدر له كتاب قَيِّمٌ بعنوان “الأبطال”وهو سهل بديع في أسلوبه، ونفيس رائع في موضوعه، ويَسُدُّ حاجة ماسّة ومُلِحّة لدى الأحرار المنصفين، وترجمه إلى اللغة العربية الكاتب الكبير الأستاذ/ محمد السباعي، وهو يُعَدُّ من أهم الكتب الاستشراقية التي اهتمت بالدفاع عن النبي محمد -ﷺ- وإنصافه وإظهار عظمته، حيث جاء هذا الكتاب النفيس في ست محاضرات بمثابة ستة فصول، تناول في كل واحدة منها صورة بطل أو أكثر، وخَصَّ المحاضرة الثانية بالحديث عن النبي محمد ﷺ، وجاءت بعنوان “البطل في صورة رسول: محمد – الإسلام”، وقد كان كارليل في هذه المحاضرة -مع ما وُجِدَ فيها من زَلّات- من أكثر المستشرقين اعتدالًا وإنصافًا في كتابته، إن لم يكن أكثرهم، مع الأخذ في الاعتبار أن أكثر المستشرقين -إن لم يكن كلهم- يخاطبون بأفكارهم العقل الغربي في المقام الأول.

وقد اشتملت هذه المحاضرة النفيسة على شهادات وإشادات كثيرة للنبي محمد-ﷺ- ورسالته، ولا غرو ولا عجب في أن يجيء ذلك على لسان بعض الأعداء أو المخالفين، وأعظم تفسير وتعليل لذلك هو أن يكون للرسول ورسالته صِدْقٌ بالغٌ في النفوس يكون فوق طاقة القلوب والعقول إنكاره، وأن قَدْرَ الرسول ورسالته مما لا يخفى على أحد، ومما يتعدى نطاقُه إلى غير أتباعه المؤمنين به؛ ليشمل العاشقين للحقيقة والإنصاف، والمتطلعين إلى صفات الخير والبِرِّ والحب والجمال، والذين رأوا في عظمة الرسول ورسالته تجسيدًا حيًّا دائمَ الإشعاعِ لعظيم الصفات وحميد الأخلاق، ومستمرَّ الإفاضةِ  بأجمل الفضائل وأحسن العطاءات.

ولا غرابةَ ولا عَجَبَ في مجيء هذه الشهادات العادلة المنصفة على لسان بعض المستشرقين؛ لأن الله -عز وجل- ناصر دينه ولو كان ذلك على يد الرجل الفاجر، وأفضل ما تكون الشهادة حينما تأتي من مخالف محايد أو عدو منصف، والفضلُ ما شَهِدَتْ به الأعداء.

وأعظم وأكثر ما تكمن فيه هذه المحاضرة هو أنها أخرست كثيرًا من الألسنة المريضة الفاحشة، وكبحت جماح أقلام الغرب المتطرفة الطائشة، يقول مُعَرِّبها الأستاذ/ محمد السباعي: “وأحسن ما جاء في ذلك الكتاب فصل عن المصطفى ﷺ، وكان الرسول قبل ذلك هدفًا لأقلام الكثيرين من الغربيين … يرمونه جهلًا وكنودًا بقواذع الهجاء وقواذف الذم، قال ريتشارد جازبيت: فلما كتب كارليل مقالته عن الإسلام ينافح فيها عن محمد، ويناضل دونه، لم يبق هَجَّاء أطلق يده في عرض محمد -عليه السلام- إلا قبضها مجذومة شَلّاء، ولا فَحَّاش يرمي ذلك الأديم الأملس وتلك الصحيفة البيضاء بسهام السباب إلا وَرُدَّتْ سهامُه في نحره، حتى راح شرف النبي في تلك الديار -بفضل الفيلسوف الأكبر- صحيحَ الأديم موفورَ الجانب”

وانطلق كارليل في هذه المحاضرة من موقف الإعجاب بالرسول ﷺ، وما يقدمه للإنسانية من نموذج فريد، ومنهج بديع، وقيم نبيلة، وأخلاق حميدة، محاولًا الاقتراب من الأدلة الصحيحة والصادقة، ومبتعدًا عما تنسجه كتابات بعض الغربيين من أوهام وخيالات وأكاذيب، وما ترسمه من أغاليط وأضاليل وأباطيل.

واستهل كارليل محاضرته بنبأ عظيم، وهو أن بزوغ فجر النبوة كان إيذانًا بغروب شمس الوثنية وتأليه البشر إلى غير رجعة، وإعلامًا بشروق عهد جديد، هو عهد التوحيد الخالص لله عز وجل، فقال: “ننتقل الآن من تلك العصور الخشنة، عصور الوثنية الشمالية إلى دين آخر في أمة أخرى، دين الإسلام في أمة العرب، وما هي إلا نقلة بعيدة وبون شاسع، بل أي رفعة وارتقاء نراها هنا في أحوال العالم العامة وأفكاره، في هذا الطور الجديد لم ير الناس في بطلهم إلهًا، بل رسولًا بوحي من الإله، وهذه هي الصورة الثانية للبطل، فأما الأولى وأقدم الجميع فقد ذهبت إلى حيث لا تعود أبدًا، ولن ترى الناس يؤلهون البطل مهما عَظُمَ … ولن يُؤَلَّه البطل من ثَمَّ فصاعدًا ولو بلغ منتهى العظمة”

وشَنَّعَ الكاتب على المتطرفين والمفترين الذين اتهموا الإسلام -وهو الدين العظيم العالمي الخالد- بأنه أكاذيب وزخرف من القول وزور، واتهموا نبي الإسلام -وهو الصادق الأمين- بأنه خَدَّاع مُزَوِّر، وتعجب من زعمهم الباطل الفاسد، فقال: “لقد أصبح من أكبر العار على أي فرد متمدين من أبناء هذا العصر أن يُصْغي إلى ما يُظَنّ من أن دين الإسلام كذب، وأن محمدًا خَدّاع مُزَوِّر … فوا أسفًا ما أسوأ مثل هذا الزعم! وما أضعف أهله وأحقهم بالرثاء والمرحمة! … وهل رأيتم قط -معشر الإخوان- أن رجلًا كاذبًا يستطيع أن يوجد دينًا وينشره؟ … كذب -والله- ما يذيعه أولئك الكفار، وإن زخرفوه حتى خَيَّلوه حقًّا، وزور وباطل وإن زيّنوه حتى أوهموه صدقًا” وقال أيضًا مؤكدًا هذا المعنى بالإضافة إلى بيان وتأكيد إخلاص النبي في دعوته: “ومما يبطل دعوى القائلين أن محمدًا لم يكن صادقًا في رسالته، بل كان مُلَفِّقًا مُزَوِّرًا أنه قضى عُنْفُوان شبابه وحرارة صباه في تلك المعيشة الهادئة المطمئنة، لم يحاول أثناءها إحداث ضجة ولا دَوِيّ، مما يكون وراءه ذِكْر وشهرة وجاهٌ وسلطة، ولم يك إلا بعد الأربعين أن تحدث برسالة سماوية … إذن فلنضرب صفحًا عن مذهب الجائرين القائل بأن محمدًا كاذب، ونعد مواقفهم عارًا وسُبّة، وسخافة وحُمْقًا، فلنربأ بنفوسنا عنه، ولنترفع!”

وأشار كارليل إلى أن وجودَ النبي وبعثتَه أحدثُ الأدلة على وجود الله -عز وجل- فقال: “وقد دَلَّ الله على وجوده بعدة آيات، أرى أن أحدثها وأجَدّها هو الرجل العظيم الذي عَلَّمَه الله العلم والحكمة”(3).

وأشار أيضًا إلى أمر مهم، وهو أن ما تعلمه النبي الأُمِّيّ من أمر دينه ليس اكتسابًا، ولم يتلقه عن بشر، وإنما هو وحي إلهي، وذلك بخلاف ما تعلمه من أمر معاشه مما شاهده في زمنه وبيئته، كما أشار كذلك إلى أن أُمِّيّته كانت كمالًا فيه، وشرفًا له بخلاف غيره، حيث صُنِعَ بعين الله سبحانه وتعالى، فقال: ” ثم لا ننسى شيئًا آخر، وهو أنه لم يتلقّ دروسًا على أستاذ أبدًا … وكل ما تعلم هو عيشة الصحراء وأحوالها، وكل ما وُفِّقَ إلى معرفته هو ما أمكنه أن يشاهده بعينيه، ويتلقى بفؤاده من هذا الكون العديم النهاية، وعجيب -وأيم الله- أُمِّيّة محمد! نعم، إنه لم يعرف من العالم ولا من علومه إلا ما تيسر له أن يبصره بنفسه، أو يصل إلى سمعه في ظلمات صحراء العرب، ولم يضره ولم يُزْرِ به أنه لم يعرف علوم العالم، لا قديمها ولا حديثها؛ لأنه كان بنفسه غنيًّا عن كل ذلك، ولم يقتبس محمد من نور أي إنسان آخر، ولم يغترف من مناهل غيره … وقد رأيناه طول حياته …رجلًا عظيمًا بفطرته، لم تُثَقِّفه مدرسة، ولا هَذَّبَه معلم”

ونفى الكاتب نفيًا قاطعًا مُؤَكَّدًا فِرْية انتشار الإسلام بالسيف، وذكر أنه انتشر؛ لأنه الحق الذي يتجاوب مع الفطرة النقيّة، والصدق الذي تطلبه وتتوق إليه النفس السويّة، فقال: “ولقد قيل كثيرًا في شأن نشر محمد دينه بالسيف، فإذا جعل الناس ذلك دليلًا على كذبه، فشد ما أخطأوا وجاروا … وإن دينًا آمن به أولئك العرب الوثنيون، وأمسكوه بقلوبهم النارية، لجدير أن يكون حقًا، وجدير أن يصدق به”

وذكر كارليل -وقد نفى انتشار الإسلام بالسيف- حقيقة مهمة، وهي أن لجوء النبي-ﷺ- للسيف في حروبه كان من أجل الدفاع لا الهجوم. وأن ذلك كان استثناء اقتضته الضرورة، حيث لم يكتف أعداء الإسلام بعدم الإيمان به، وإنما صدوا عنه، وأعلنوا الحرب عليه بُغْية استئصاله والقضاء على رسالته، فقال: “فلما وجد أن القوم الظالمين لم يكتفوا برفض رسالته السماوية، وعدم الإصغاء إلى صوت ضميره وصيحة لبه، حتى أرادوا أن يسكتوه فلا ينطق بالرسالة، عزم ابن الصحراء على أن يدافع عن نفسه”

ونفي الكاتب عن النبي -ﷺ- ما يدعيه عليه الأعداء والخصوم كذبًا وبهتانًا من أنه رجل شهوات، وأنه لا هم له إلا قضاء مآربه من الملذات، وذكر كثيرًا من حميد صفات النبي وكريم شمائله مما كان سببًا في تصديقه، والإيمان برسالته، والاستمساك بها، ثم قال مادحًا النبي: “فذلكم -وأيم الله- بطل كبير … فكذلك تكون العظمة، وهكذا تكون الأبطال!”

وختامًا لا يسعني إلا أن أدعو الأحرار والمنصفين من العالم عمومًا ومن الغرب خصوصًا إلى قراءة هذا الكتاب النفيس الذي يتضمن شهادات منصفة للنبي محمد أعظم عظماء البشر، وكفى المسلمين بهذه الشهادات وتلك الإشادات فضلًا وفخرًا، ولا سيما أنها قد جاءت على لسان واحد من أبناء الغرب وبني جِلْدتهم، فالمبادئ الإنسانية لا تتجزأ، والخلاف لا يمنع الإنصاف، والحكم عنوان الحقيقة، وما أحوج البشرية اليوم -وقد أحدقت بها الخطوب، وأحاطت بها المُلِمّات- إلى العودة إلى منهج النبي ﷺ، واستلهام الدروس من سيرته التي هي طَوْق النجاة، وبمثابة سفينة نوح عليه السلام؛ فهل هم فاعلون؟!

 كاتب المقال  أستاذ البلاغة والنقد

بجامعة الأزهر الشريف

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.