الكاتب الصحفي عبدالرازق توفيق يكتب :بأى ذنب قصفت؟
الحرب الحالية أكبر تهديد للأمن الإقليمى

اتخذت الأوضاع فى المنطقة منحى خطيرًا قابلة لمزيد من التصعيد والاشتعال فى ظل تصاعد الحرب العبثية بين أمريكا وإيران واحتمالات اتساع نطاق الصراع إلى حرب شاملة تذهب بالمنطقة إلى غياهب المجهول وتلقى بظلالها وآثارها الصعبة على العالم، لكن تفاصيل الهجمات المتبادلة بين واشنطن وطهران تثير الكثير من التساؤلات، حول الأسباب الحقيقية لهذه الحرب ومن يقف وراءها ويحرض عليها ويرفض الوصول إلى اتفاق لإيقافها وتجنيب المنطقة ويلات كثيرة أبرزها من المستفيد من هذه الحرب، وما تداعيات سقوط إيران على المنطقة، وكيف ستتصرف الولايات المتحدة الأمريكية حال انتصارها، وهزيمتها لإيران، بعد أن سيطرت على فنزويلا، لكن السؤال الأهم وما نتناوله فى هذا المقال، لماذا لا تستهدف إيران الكيان الصهيونى بصواريخها ومسيراتها رغم أنها تدرك أنها الطرف الأصيل والمحرض، والداعم بل والمشارك خلف ستار وتعد العدو اللدود لطهران ووراء ما تتعرض له من دمار واستهداف أمريكي؟ ولماذا تحرص الولايات المتحدة على عدم المشاركة المباشرة لإسرائيل فى الحرب؟ وتساؤل آخر للإيرانيين لماذا استهداف دول الخليج الشقيقة والأردن الشقيق رغم أن إسرائيل هى الطرف الضالع فيما يحدث لإيران؟ أيضا لماذا استهداف محطات الكهرباء وتحلية المياه فى دول الخليج كما نتابع فى الكويت، رغم زعم إيران أنها تستهدف القواعد الأمريكية فى المنطقة؟ وهذا ما يفتح تساؤلات كثيرة حول أسباب استهداف إيران لدول الخليج بخطة ممنهجة، تحاول ضرب القدرات الوجودية وشرايين الحياة فى هذه الدول ولمصلحة من؟ رغم أنها جريمة آثمة، يكشف تفاصيلها تجاهل العدو الحقيقى وهو إسرائيل لذلك أقول عن استهداف إيران لدول الخليج والأردن بأى ذنب تقصف؟ وماذا لو نفد مخزون الصبر الخليجى وقرر الرد والاشتباك والهجوم على إيران وضرب وتدمير أهداف حيوية وهنا يمارس حق الدفاع عن النفس وهو لم يبادر بالاعتداء وتعرض لهجمات مكثفة رغم رفض الدول الشقيقة الحرب برمتها أو رفض المشاركة فيها ثم السؤال إذا اتسع نطاق الحرب فماذا عن مصير المنطقة والشرق الأوسط والعالم؟
الرئيس الأمريكى دونالد ترامب ينظر إلى هذه الحرب من عدة جوانب، مكاسب اقتصادية بحسبة السماسرة والمقاولين، أفصح عن رغبته فى تحصيل رسوم على عبور الناقلات من مضيق هرمز إذا سيطر عليه، ثم يطالب دولاً أخرى بتحمل فاتورة الحرب والإعمار، والغريب أن مضيق هرمز لم يكن سببًا للحرب، بل بات أحد أهم أسباب استمرارها، ترامب أيضا يريد إحكام قبضته على الشرق الأوسط والممرات البحرية، وإيقاف التمدد الصينى وهو صراع من نوع آخر بين واشنطن وبكين، لكن السؤال أيضا هل تسمح بكين بسقوط إيران فى قبضة الأمريكان؟ فما حدث فى فنزويلا بطبيعة الحال أضر بالمصالح الصينية من نفط وغاز ومعادن نادرة، وأمور أخري.
واشنطن تسعى لتحقيق أهداف كثيرة من الحرب مع إيران، وتغيير النظام الإيراني، واخضاع طهران لنفوذها، ليس فقط من أجل تحقيق المطالب والأوهام الصهيونية وأن تظل إسرائيل هى من تملك القوة والردع والتفوق، لذلك تتمادى تل أبيب فى رفع سقف مطالبها وأهدافها من الحرب على إيران فلم يعد البرنامج النووى واليورانيوم المخصب فحسب ولكن أيضا القضاء على البرنامج الصاروخى الباليستي.
الحرب الأمريكية ــ الإيرانية، باتت أخطر تهديد للأمن والسلم الإقليمى والعالمي، خاصة الأمن الاقتصادى واستقرار أسعار النفط وسلاسل الإمداد، وأيضا هناك مخاوف كبيرة من اتساع نطاق الحرب، ليدخل فيها أطراف جديدة مثل فراغ الصبر الخليجي، أو باكستان التى وقعت اتفاقية دفاع مشترك مع السعودية، وبالفعل دخل الحوثيون ومازال حزب الله فى حالة اشتباك مع قوات الاحتلال الإسرائيلي، وهناك دول لن تترك الخليج هدفًا للهجمات الإيرانية، كما أن الموقف الصينى والروسى لن يترك إيران تسقط فى يد الأمريكان، أو ربما نجد أنفسنا أمام استخدام أسلحة أكثر فتكًا وتدميرًا لم تشارك بعد وهى موجودة لدى الطرفين، لكن ظنى أن الأمريكان لن يغامروا الآن بخوض حرب برية تظل خسارتها أو سقوط عدد كبير من القتلى الأمريكيين تهديدًا لإدارة الرئيس ترامب وظنى أيضا أنه سيأتى الوقت للمشاركة المعلنة لإسرائيل من جديد فى الحرب، والتوقعات والتحليلات تشير إلى أن واشنطن لن تستطيع حسم الحرب وأن الضربات الأخيرة لم تضف جديدًا لكن يظل الخطر فى استمرار الحرب ونفاد الصبر فى ظل الاصرار على جريمة انتهاك الأمن والسيادة فى دول الخليج واستهداف مقدراتها دون سبب منطقى فى ظل تجاهل الهجمات الإيرانية لدولة الاحتلال الإسرائيلى وهو الأمر الذى يفرضه المنطق لذلك نحن أمام تهديد خطير وهو نشوب حرب شاملة وهو ما سيدخل المنطقة فى النفق المظلم.
مصر أعلنت موقفها الحازم ورفضها القاطع وادانتها بوضوح فيما يتعلق بالاستهداف الإيرانى لدول الخليج بالصواريخ والمسيرات وضرب محطات الكهرباء وتحلية المياه والنفط والاعتداء على السيادة، وأكدت تضامنها الشامل مع الأشقاء ودعمها لما يتخذونه من إجراءات لحماية أمنهم وسيادتهم.
الخليج يدفع ثمنًا باهظًا وفواتير مكلفة والسبب الاعتداءات الإيرانية، رغم أنه ليس معنيًا ولا شريكًا فى الحرب، ورغم ذلك أيضا مازال متمسكًا بالصبر، بل والعمل على تسوية الصراع عبر الحوار والسياسة والتفاوض.
الاقتصاد العالمى يواجه خطرًا داهمًا فمع استمرار الصراع الأمريكى الإيرانى واحتمالات تطوره فإن التداعيات ستكون باهظة ومؤلمة.. فأسعار برميل النفط مرشحة للارتفاع وقد تتجاوز الـ120 دولارًا فى ظل استمرار إغلاق مضيق هرمز وتضرر المنشآت النفطية فى المنطقة وبالتالى فإن أسعار السلع ومؤشرات التضخم ستشهد ارتفاعًا وهو ما يضيف معاناة جديدة على شعوب دول المنطقة والعالم ويؤدى إلى تراجع وركود الاقتصاد العالمى مع تعطل سلاسل الإمداد، وهو أمر يضر بالجميع حتى الشعب الأمريكى نفسه الذى أصبح يعانى من ارتفاع واضح لأسعار المحروقات حيث تجاوز سعر جالون البنزين أكثر من 4 دولارات وهو ما يضغط على إدارة الرئيس ترامب إضافة إلى الإضرار بموقف الحزب الجمهورى فى انتخابات التجديد النصفى فى نوفمبر القادم، ويراها الأمريكيون أنها حرب من أجل إسرائيل.
المنطقة على فوهة بركان، إيران ترفض التنازل عن شروطها وتتمسك ببرنامجها النووى وعدم التفريط فى اليورانيوم المخصب وأعلن المسئولون فى ط هران أن واشنطن لا تريد اتفاقًا وتستغل الوقت فى ادخال أسلحة جديدة وإضافية للمنطقة من أجل الحرب مع إيران ولذلك هناك حالة من الضبابية، وانعدام الثقة بين الطرفين، إضافة إلى تحريض وسيطرة إسرائيل على القرار الأمريكي.
بأى ذنب يقصف الخليج وبأى ذنب يدفع هذه الفواتير الباهظة.