جهاد شوقى السيد تكتب: ليه “الست” المصرية؟

جهاد شوقى السيد

في ظل ما يشهده المجتمع من تحولات متسارعة تمسّ الرجل والمرأة على حد سواء، تتصاعد بين الحين والآخر أصوات تصف المرأة المصرية بأنها مضطهدة أو ناقصة المكانة، وتفتقر إلى مقومات القوة والاستقلال.

غير أن هذا الطرح يتجاهل تاريخًا طويلًا وحاضرًا زاخرًا يبرهنان على مكانة المرأة المصرية ودورها المحوري في بناء المجتمع.

ولعل أول ما يلفت الانتباه هو خصوصية اللقب الذي تحمله المرأة في مصر؛ فهي “الست”،

على خلاف كثير من نساء العالم العربي. وهذه الكلمة، التي تعني السيدة أو المرأة ذات المقام،

تعود جذورها إلى الحضارة المصرية القديمة، إذ يرجَّح أنها مشتقة من اسم الإلهة “إيسيت”، التي عرفت بمعنى “سيدة العرش”.

وقد مثّلت “إيسيت” رمزًا للأمومة والقوة والخصوبة، وهو ما انعكس في الوعي الجمعي للمصريين،

ليصبح لقب “الست” تعبيرًا عن التقدير والمكانة الرفيعة للمرأة.

شريك أساسي في مختلف مجالات الحياة

وعبر العصور، لم تكن المرأة المصرية عنصرًا هامشيًا في المجتمع، بل كانت شريكًا أساسيًا في مختلف مجالات الحياة.

ففي مصر القديمة، لعبت أدوارًا متعددة شملت الحكم والسياسة والاقتصاد، وبرزت نماذج نسائية حكمت البلاد

مثل حتشبسوت، وكليوباترا، ونفرتيتي، وميريت نيت، التي يُعتقد أنها من أوائل من حكموا مصر في تاريخها.
ومع الانتقال إلى التاريخ الحديث، يتواصل حضور المرأة المصرية بقوة في المشهد الوطني. فقد كانت” صفية زغلول”، المعروفة بـ“أم المصريين”، رمزًا للنضال الوطني خلال ثور١٩١٩ ، حيث قادت المظاهرات النسائية وشاركت بفاعلية في الحركة السياسية. كما برزت “درية شفيق” كإحدى رائدات الحركة النسوية، مدافعة عن حقوق المرأة في التعليم والعمل والمشاركة السياسية. ولا يمكن إغفال دور “حكمت أبو زيد”، أول وزيرة في تاريخ مصر، و”نبوية موسى” التي ناضلت من أجل تعليم الفتيات وحق المرأة في العمل.

نماذج مشرفة في مختلف المجالات

أما في الحاضر، فلا تزال المرأة المصرية تقدم نماذج مشرفة في مختلف المجالات. فنجد مبادرات إنسانية رائدة،

مثل الجهود التي تقودها “هبة السويدي” في دعم ضحايا الحروق، إلى جانب حضور نسائي لافت في سلك القضاء،

حيث تبرز المستشارة سالي عمرو أمين الصعيدي فهي تعدّ وجهًا قضائيًا بارزًا في مصر، وهي أول قاضية جنائية تدخل المحاكم الجنائية في البلاد،

وتشغل حاليًا منصب مساعد وزير العدل لشؤون حقوق الإنسان والمرأة والطفل، وذلك بعد موافقة مجلس القضاء الأعلى

على ندبها لهذا المنصب في أبريل ٢٠٢٦.

سفيرة الشباب للسلام

ومن النماذج الشابة التي استطاعت أن تكون نموذجًا يحتذى به، نجد السفيرة الشابة “حسناء تمام كمال”، سفيرة الشباب للسلام

بالاتحاد الأفريقي لمنطقة شمال أفريقيا، وهي أول مصرية تتولى هذا المنصب. وتسعى إلى القيام بدورها في حفظ السلام بالقارة الأفريقية،

وتثقيف الشباب، والعمل على دمج الثقافات، بما يعزز التواصل بين مصر ودورها داخل القارة الأفريقية،

وكذلك تعزيز التواصل بين الشباب ومحيطهم الأوسع، كما تسعى لأن تكون همزة وصل بين الشباب والاتحاد الأفريقي، دعمًا لقارتنا.

إن استعراض هذه النماذج، قديمًا وحديثًا، يؤكد أن المرأة المصرية لم تكن يومًا على هامش التاريخ، بل كانت دائمًا في صلبه.

فهي الأم التي تربي، والزوجة التي تساند، والابنة التي تطمح، وصاحبة الدور الفاعل في بناء المجتمع.

وفي النهاية، يبقى لقب “الست” أكثر من مجرد كلمة دارجة؛ إنه انعكاس لهوية راسخة، وتاريخ ممتد،

ومكانة استحقتها المرأة المصرية عبر العصور، بما قدمته ولا تزال تقدمه لوطنها ومجتمعها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.