محمد نبيل محمد يكتب : عن كتاب (الصورة الذهنية لنصر أكتوبر وهزيمة كيبور ) الحلقة ٢٦

جولدا تعترف :" كانت النشوة تسيطر على المصريين لانتصارهم علينا"

الكاتب محمد نبيل

“صحيح أن مصر سيطرت على الضفة الشرقية للقناة”.. من هنا تعترف جولدا بانتصار المصريين وقدرتهم على تحقيق الهدف من حرب أكتوبر، فقد سيطر المصريون على شرق القناة وإنهار خط بارليف، وسقطت النقاط الحصينة، وارتفع العلم المصرى على الضفة الشرقية من قناة السويس، وبذلك انهارت الأسطورة التى طالما تغنت بها جولدا أمام شعبها، وتشدقت فى غرور أجوف أمام وسائل الإعلام الغربى بقدرة جيش الدفاع التى لا تُهزم!.

ويبدو أن جولدا قد أقرت بهزيمتها، وصارت أكثر واقعية، بما فرضته عليها ساحة القتال مع المصريين،حتى إنها تعترف:”وأنا أعنى كل كلمة، أن اسرائيل تريد لمباحثات السلام أن تبدأ فى نفس الوقت مع وقف اطلاق النار لتحقيق سلام مشرف”..وهنا تقتنص جولدا قرار مجلس الأمن رقم 338 لوقف النار وبدء مباحثات السلام، فهى لا تأمل سوى فى سلام مشرف بعد الهزيمة النكراء فى يوم كيبور.

لكن المنتصر بدء يُملى شروطه فلا موافقة على وقف اطلاق النار من جانب المصريين إلا بتحقيق مطلب للسادات، ومن وجهة نظر جولدا ترى أن ما فرضه السادات على الكيان وهو تواجد قوة سوفيتية ـ أمريكية تفصل بين الجانبين، وهذا الأمر بالنسبة لجولدا بالغ الصعوبة، بل وصل عندها لحد الأزمة، فقالت:”ودخلت الحرب يومها التاسع عشر بأزمة جديدة، فقد طلب السادات أمرًا كان يعلم أننا لا يمكن أن نوافق عليه، وهو أن تقوم قوة أمريكية ـ سوفيتية مشتركة بالإشراف على وقف اطلاق النار”.

وهنا تتجلى قدرة الشهيد أنور السادات فى المناورة بالامكانيات المتاحة وغير الممكنة ـ أيضاً ـ للوصول إلى مبتغاه، فهو كان يعلم بسرعة استنفار الروس للاستعداد للمشاركة، وهنا تعترف جولدا:”وبدأ الروس استعدادات نشيطة للدخول فى المنطقة” وهو الموقف الذى لا ترضاه أمريكا ـ بالطبع ـ ولا تقبله دولة الكيان، لكن جولدا تسترسل فى الحديث عن نيكسون ورفضه المطلق لقبول الابتزاز الروسى، وتسرد واقعتين متتاليتين كان فيها نيكسون يقول نفس الكلام:أنا لا أقبل الابتزاز،.. والوقعتين: الأولى كانت عندما تحدثت إليه بعد إغتيال عنصرين من الدبلوماسية الأمريكية فى الخرطوم، وكان الحديث بالبيت الأبيض بحضور زوجة نيكسون وسفير الكيان بالولايات المتحدة اسحق رابين، والثانية فى 1974 عندما زارها نيكسون فى بيتها بعد مقتل الأطفال فى معالوت، وأيضا كان يؤكد على موقفه من رفضه للابتزاز .. اعتمدت جولدا على الموقف الأمريكى بصفة مطلقة، لحد أبعد من المتخيل بأن تقوم به دولة من المفترض أنها ذات سيادة وإرادة مستقلة، لكنها عادت تعترف:”وإننى ما زلت على ثقة من أن الرئيس نيكسون أمر بالاستنفار الأمريكى”.. وهنا وضع السادات كل من أمريكا والإتحاد السوفيتى عند مسئوليتيهما تجاه القضية، وبالتالى كان يضغط على الكيان ليوافق على أية مطالب فيما بعد، وهذا ما فسرته جولدا بـ “الأزمة” التى من الضرورى ألا تتفاقم حتى تحصل جولدا على وقف إطلاق النار، وبدء المفاوضات، فكان عليها قبول مطالب المصريين بإذعان:”لكنه أدى إلى تصعيد الأزمة وتحتم على أحد أن يدفع من أجل تهدئة التوتر، وكان الثمن الذى تحتم بالطبع أن تدفعه اسرائيل يتضمن السماح بوصول الإمدادات إلى الجيش المصرى الثالث”.

ليس هناك فى اعترافات جولدا فى كتابها وفصلها الرابع عشر “الهزيمة” من أعذب ولا أجمل ولا أطرب من حديثها ـ الموثق ـ بإعترافها بهزيمتهم وانتصارنا، فتقول:”كنا نرحب بتقديم ذلك كله إليهم، لو أن المصريين كانوا على استعداد لإلقاء سلاحهم والعودة إلى بيوتهم، لكن الرئيس السادات لم يكن يريد أن يتم ذلك، فى الوقت الذى كانت النشوة تسيطر على المصريين لانتصارهم علينا”.. الله، ما أعذب تكرار هذا الإعتراف على القلوب والأسماع، واستدعاءه من الذاكرة الحية للتاريخ “الحق” وصدق الله العظيم”ويشف صدور قوم مؤمنين”

والكثير من مرارة الإعتراف سيأتى ذكره تاليًا إن شاء الله.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.