الإلامي محمود عبد السلام يكتب : وطن اسمه زمان

الإعلامي محمود عبد السلام
إنتشار تريند الثمانينات بيثبت أن
الماضي لا يموت. هو فقط ينتظر أغنية، أو ريحة، أو صورة، ليقوم من مقعده ويقول لنا: “فاكرني؟”.
النوستالجيا هي هذا الشعور. كلمة أصلها يوناني: Nostos بمعنى العودة للوطن، و Algos بمعنى الألم. هي حرفياً “ألم الحنين إلى وطنٍ فات”. وطن اسمه الزمن.
النوستالجي هو الشخص الذي يحمل حقيبة مليانة ذكريات، ويمشي بها في شوارع الحاضر، كلما تعب جلس وفتحها.
في أغنية قديمة تسمعها بالصدفة فتجد نفسك فجأة في ثانوي، ودفترك على الديسك وريحة الطباشير في الفصل.
في ريحة كتاب أصفر من مكتبة جدك تجعلك تشم رائحة الشاي بالنعناع وصوته وهو بيقرأ القران.
في فيلم كرتون من الطفولة تتفرج عليه وانت كبير فتدمع من غير سبب، فقط لأنك تذكرت أنك كنت خفيفاً جداً وقتها.
في شارع قديم تمشي فيه فتكتشف أن الحيطان لسه فاكرة خطواتك.
هذه هي أمثلة النوستالجيا اليومية. ليست أحداثاً عظيمة، بل تفاصيل صغيرة سرقت قلوبنا ولم نستردها.
أشهر مواقف النوستالجيا تحدث عندما يضيق بنا الحاضر.
عندما نفشل فنعود بذاكرتنا لأول مرة نجحنا فيها.
عندما نفقد شخصاً فنعيد تشغيل رسائله القديمة لنسمع صوته مرة أخيرة.
عندما نسافر بعيداً فنشتهي أكلة أمنا ليس لجوع البطن، بل لجوع الروح.
وعندما نكبر فجأة ونجد أن الأغاني التي كنا نعتبرها “قديمة” صارت هي أناشيد جيلنا.
لكن هل النوستالجيا هي نفسها أحلام اليقظة؟ لا.
أحلام اليقظة هروب إلى الأمام. نبني قصوراً في المستقبل لم تحدث بعد. نتخيل أنفسنا أغنياء ومشهورين ومحبوبين.
أما النوستالجيا فهروب إلى الخلف. نعود إلى بيت قديم نعرف كل ركن فيه. لا نبني شيئاً جديداً، فقط نعيد ترتيب ما كان.
أحلام اليقظة تقول “ماذا لو؟” والنوستالجيا تقول “يا ريته دام”.
النوستالجيا دواء. تعطينا دفئاً عندما يبرد العالم. تذكرنا من نحن عندما نضيع. تعطي معنى لحياتنا لأنها تربط اللحظة الحالية بسلسلة اسمها “أنا”. الأبحاث النفسية تقول إن جرعة صغيرة من الحنين تزيد التفاؤل وتقوي العلاقات وتجعلنا أكثر كرماً.
ومتى تكون مضرة؟
عندما نسكن في الماضي ولا نغادره. عندما يصبح الحنين قفصاً جميلاً. عندما نقول “لن يعود الزمن الجميل” فنرفض أن نصنع زمناً جديداً. عندها تتحول النوستالجيا من حضن دافئ إلى قبر فاخر ندفن فيه حاضرنا.
النوستالجيا ليست ضعفاً. هي دليل أننا عشنا.
هي أن يبكي قلبك على شيء وانتهى، وفي نفس الوقت يبتسم لأنه حدث أصلاً.
هي أن نعرف أننا كنا محبوبين، وأن الضحك كان حقياً، وأن الشمس كانت أطول.
فلا تخجل من دمعتك وأنت تسمع أغنية قديمة.
أنت فقط عدت لزيارة وطنك… وطن اسمه “زمان”.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.