دراسة عن قصيدة (ربيع القلب) من ديوان “سهم لم يخطئ” للشاعر محمد الشرقاوي

 بقلم ياسمين حسن (كاتبة وباحثة دكتوراه في الأدب والنقد)

الشاعر محمد الشرقاوي

– تعبر هذه القصيدة عن تجربة شعورية عميقة، صاغها الشاعر في بناء يقترب من الشعر القصصي؛ إذ لا يكتفي بالتعبير عن حالة وجدانية ساكنة، وإنما يروي حكاية حب تتشكل أمام القارئ في مشاهد متتابعة، تبدأ بالشوق، وتمر بالخذلان والألم، ثم تنتهي باستعادة القلب قدرته على الحياة من جديد.

– يبدأ الشاعر من قلبٍ يزهو بـ”ربيع صباه”، لكنه سرعان ما يكشف لنا أن وراء هذا الربيع حكاية أخرى؛ فثمة امرأة تحمل في داخلها أثر تجربة عاطفية سابقة تركت في روحها خرابًا وخوفًا من تكرار الألم. وحين تبوح بما عانته، لا يأتي الحبيب الجديد ليحاكمها على ماضيها، ولا ليستعجل اقتحام عالمها، وإنما يأتي أولًا بالإنصات والاحتواء، وكأن الشاعر يجعل من الحب الحقيقي قدرةً على ترميم ما أفسده الحب القديم.

– ومن هنا تبدأ القصيدة في الانتقال من الذاكرة الموجعة إلى الأمل؛ فبعد أن تركت المرأة خلفها “من دموعها أبحرًا”، وبعد أن ذاقت الهجر حتى صار الخوف جزءًا من وجدانها، يأتي من يربّت على مواضع الألم، ويمنحها شيئًا افتقدته طويلًا: الأمان.

– ولعل أجمل ما في التجربة أن الشاعر لا يجعل الحب الجديد مجرد عاطفة جديدة، بل يجعله مشروعًا للخلاص؛ فالحبيب ينجح في احتوائها، ويواسيها، ويرسم أمامها نورًا في المدى، حتى تستعيد قدرتها على الحلم، وتصل في النهاية إلى اليقين كما نلاحظ في قوله: “أنت الأمان”.
وهنا يتحول الحب من مجرد انجذاب بين قلبين إلى حالة من السكينة والطمأنينة؛ فحين يجد الإنسان من يستطيع أن يرى جراحه دون أن يستغلها، وأن يصغي إلى مخاوفه دون أن يزيدها، يصبح وجوده في حد ذاته وطنًا وأمانًا.

– واللافت كذلك أن القصيدة تقوم على حركة شعورية صاعدة؛ تبدأ بالخوف والخذلان، ثم تتدرج نحو المواساة، فالأمل، فالاطمئنان، لتنتهي بالوفاء واكتمال الحلم، وكأن الشاعر أراد أن يقول إن القلب، مهما أرهقه الماضي، يستطيع أن يجد ربيعه من جديد حين يلتقي بمن يمنحه الصدق والأمان.

– ومن خلال هذا البناء، استطاع الشاعر أن يجعل المرأة في القصيدة ليست مجرد حبيبة، وإنما قلبًا مجروحًا يبحث عمن يعيد إليه ثقته بالحياة، بينما يأتي الحبيب في صورة من يداوي لا من يزيد الجراح، ويمنحها يدًا تمتد بها من عتمة التجربة القديمة إلى فضاء جديد من الحب، وتبلغ التجربة ذروتها حين يستقر الحلم في القلب، ويصبح الحبيب هو الحضور الذي لا يخشى عليه من الغياب:
«ورأيتُ أحلامي أطلت أفصحت
وجهُ الحبيبة لن يغيب ضياه»

– وهكذا يبدو «ربيع القلب» عنوانًا دالًا على التجربة كلها؛ فالربيع هنا ليس فصلًا من فصول السنة، وإنما حالة وجدانية يولد فيها القلب من جديد بعد شتاء طويل من الخذلان.

وفي الختام أترك حضراتكم مع نص القصيدة:

القلبُ يزهو في ربيعِ صباهُ
يشتاقُ حبًّا قلَّ في دنياهُ

أُخفي عن الحُسّادِ شوقًا جارفًا
وسعى ليبحثَ مّن يصونُ هواهُ

فدنا لعينٍ داعبَتْه برمشِها
وتجوّلتْ في سحرِها عيناهُ

قالتْ بهمسٍ، والملامحُ أفصحتْ:
يا ليتَ قلبيَ مدركًا مسعاهُ

عايشتُ قبلكَ موجَ قلبٍٍ غادرٍ
جعل السفينةَ خاصمتْ لُقياهُ

وسمعتُ مِن قصصِ الغرامِ عجائبًا
فهجرتُه، ودعوتُ أن أنساهُ

وتركتُ خلفيَ مِن دموعيَ أبحرًا
كشفَتْ فؤاديَ عند مََن جافاهُ

كنتُ الوفاءَ بكلِّ صدقٍ نادرٍ
أرضيتُهُ، وفعلتُ ما يرضاهُ

وكتبتُ في كتبِ الغرامِ حكايتي
وعزفتُ لحنًا، قيل: ما أحلاهُ

ورفعتُ نبضَ الحبِّ فوقَ مخاوفِي
وسمعتُ قولَ الخلقِ: ما أبهاهُ

وإذا بسيفِ الهجرِ يطعنُ فرحتي
ويذيقُني مِن كلِّ ما أخشاهُ

فرأيتُ كلَّ النورِ يتركُ دنيتي
والكونُ دونَ هوادةٍ عاداهُ

وهناكَ أشجارُ الحدائقِ أحجمتْ
وقفَ العطاءُ، فقلتُ: ما أخفاهُ

قالتْ بصوتٍٍ غاضبٍ ومعاتبٍٍ:
سيعودُ يبكي ما جنتْهُ يداهُ

لا تحزني يومًا ولا تتعاطفي
فالحقدُ يحصدُ آخرًا بلواهُ

واسيتُها، ورسمتُ نورًا في المدَى
فالحلمُ يصمدُ إنْ دنتْ بشراهُ

فتبسّمَتْ، والنورُ فاضَ بعينِها:
أنتَ الأمانُ، وقد رأيتُ خطاهُ

خُذني إلى أرضِ السعادةِ، إنَّني
أيقنتُ صدقَكَ، والعيونُ تراهُ

هتفَ الفؤادُ بذكرِ مَنْ خلقَ الورَى:
هذا الجمالُ، هناكَ مََن سوَّاهُ

أعطيتُ عهدًا بالوفاءِ وصنتُها
صارتْ لقلبيَ وحدَها ليلاهُ

ورأيتُ أحلامي أطلَّت أفصحتْ
وجهُ الحبيبةِ لن يغيبَ ضياهُ.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.