الإعلامي محمود عبد السلام يكتب : ” شجر الدر” أنوثة أقوى من جيوش تمسك قبقاب

الإعلامي محمود عبد السلام
في صفحات التاريخ صفحاتٌ تضيء ثم تنطفئ، ونساءٌ حكمن فعدلن، وأخريات حكمن فاحترقن. ومن بينهن امرأةٌ لم تكن من بنات الملوك، ولا من حرائر القصور، لكنها جلست على أعرق عروش الشرق، وحملت لقب “الملكة” و”عصمة الدنيا والدين” لما يقرب من ستة أشهر. هي شجر الدر، التي جمعت بين دهاء السياسة ورقة الأنثى، بين صلابة الحكم ووهن الغيرة، فكانت آيةً في الصعود، وعبرةً في السقوط.
بدأت حكاية شجر الدر في أصقاع آسيا الوسطى، كزهرةٍ بريةٍ نبتت بعيدًا عن القصور. لا يعرف أحد أصلها على وجه التحديد، فقيل تركية، وقيل أرمنية. تناقلتها الأيدي في سوق النخاسة، كما تتناقل الرياح بذرةً تائهة، حتى وقعت في يد الملك الصالح نجم الدين أيوب سلطان مصر.
لم تكن جاريةً عادية. كان في عينيها بريق ذكاء، وفي صمتها هيبة فأعتقها وتزوجها، وجعلها أقرب الناس إلى قلبه ومجلسه. تعلمت في بلاطه فنون الحكم، وفقهت لغة السياسة، وصارت ظله الذي لا يفارقه في السلم والحرب.
جاءت المحنة الكبرى في عام 647هـ، أثناء الحملة الصليبية السابعة. كان السلطان نجم الدين مريضًا في المنصورة، واشتد عليه المرض حتى مات. وهنا وقف التاريخ على مفترق طرق: جيشٌ في مواجهة الصليبيين، وعدوٌ على الأبواب، وخبر موت السلطان كفيلٌ بإشاعة الفزع وانهيار الجبهة.
فماذا فعلت شجر الدر؟
كتمت الخبر ختمت الرسائل بخاتم السلطان، وأصدرت الأوامر باسمه، وأدارت شؤون الدولة بيدٍ ثابتة. وبعقلها البارد وقلبها الصلب قادت معركة المنصورة حتى انتصر الجيش المصري، وأُسر لويس التاسع ملك فرنسا.
ولما استقر الأمر، خلع الأمراء تاج الملكة وألبسوها تاج السلطنة فجلست شجر الدر على عرش مصر، أول امرأة تحكم مصر والعالم الإسلامي منذ فجر التاريخ بعد حتشبسوت ، سُكت باسمها العملة وخُطب لها على المنابر: “الملكة عصمة الدنيا والدين أم خليل”.
لكن عرشًا بلا رجلٍ في ذلك الزمان كان عرشًا ناقصًا. فتزوجت عز الدين أيبك أحد أمراء المماليك وتنازلت له عن الحكم واكتفت بلقب “أم السلطان” ، وكان يُظن أنها ستظل شريكة العرش، وصاحبة الكلمة النافذة لسنواتٍ طوال.
غير أن التاريخ لم يمهلها فرغم دهائها السياسي، ورغم أنها حكمت دولة، إلا أنها لم تنسَ أنها امرأة.
بلغها أن زوجها أيبك يفكر في الزواج  من أم علي بنت منصور، طمعًا في المال والنفوذ.
فاشتعلت في صدرها نارٌ قديمة. نار الأنثى التي لا تقبل شريكة.
نسيت شجر الدر أنها ملكة، ونسيت أنها من صنعت هذا العرش بيديها، وتذكرت فقط أنها امرأةٌ تُغار.
وفي ليلةٍ من ليالي عام 655هـ، دعت شجر الدر زوجها أيبك إلى الحمام. وهناك، انقضت عليه جواريها بالقباقيب الخشبية حتى فارق الحياة.
قتلته بيدها لا طمعًا في ملك ولا خوفًا من انقلاب بل غيرةً .. غيرةٌ أحرقت السياسة وأحرقت معها مستقبلها.
لم يمر الأمر مرور الكرام انتفضت أم علي بنت منصور، واستصرخت المماليك فقبضوا على شجر الدر وسلّموها لجواري أم علي.
فضربوها بالقباقيب حتى الموت ثم ألقوا بجثتها من فوق سور القلعة فنهشتها الكلاب والطيور الجارحة أيامًا وبعد ذلك جمع بعض المارة أشلاءها ودفنوها.
هكذا انتهت شجر الدر .. المرأة التي رفعتها الظروف من سوق النخاسة إلى قمة الحكم، والتي أدارت دولةً بأكملها في أحلك الظروف، وانتصرت في معركةٍ مصيرية، فإذا بها تسقط عند أول اختبارٍ أنثوي.
لقد نجحت شجر الدر في أن تكون سلطانة لكنها فشلت في أن تنسى أنها امرأة ..
نجحت في أن تخفي موت زوجها عن جيشٍ بأكمله وعجزت عن أن تخفي غيرة قلبها عن نفسها
صعدت بالعقل والسياسة وسقطت بالعاطفة والغيرة.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.