الكاتب الصحفي محمد يوسف العزيزي يكتب : لماذا يريدون للجيش المصري أن يحارب؟

الكاتب الصحفي محمد العزيزي
«عندكم أكبر وأقوى جيش في المنطقة.. إيه الفايدة منه طالما لا تستخدموه؟».. سؤال ملغوم وجهته مذيعة أجنبية إلى وزير الخارجية بدر عبد العاطي، ولم يكن السؤال في حقيقته يبحث عن إجابة عسكرية بقدر ما كان يحاول دفع مصر إلى خانة تبدو فيها قوة جيشها وكأنها بلا قيمة ما دامت لا تستخدمها في حروب المنطقة.
جاء رد الوزير هادئًا وثابتًا، وقال ما ينبغي أن تقوله دولة تعرف قيمة جيشها وتدرك طبيعة الدور الذي أنشأته من أجله: الجيش المصري لا يعتدي ولا يبحث عن الاستعراض، وإنما يحمي ولا يهدد، ومهمته الدفاع عن الأراضي المصرية، وصون الحدود، وحماية المصالح العليا للدولة والشعب عندما يتطلب الأمر ذلك.
لكن السؤال الأهم ليس ما قاله الوزير، وإنما لماذا تتكرر في الفترة الأخيرة أسئلة من هذا النوع؟ ولماذا يبدو أن هناك إصرارًا على دفع الجيش المصري إلى الدخول في حروب خارج حدوده، وكأن قوة الجيش لا تكتسب قيمتها إلا عندما تُلقى في ساحات القتال؟
هنا يجب أن نتوقف قليلًا.
فالجيش المصري لم يبنِ قوته في يوم وليلة، ولم تأتِ قدراته من فراغ. وراء هذه القوة عقود من العمل والتطوير والإنفاق، وعرق المصريين وتضحياتهم وصبرهم، وتجارب عسكرية صنعت عقيدته، ودولة حرصت طوال السنوات الماضية على تطوير قدراته وتنويع مصادر تسليحه ورفع كفاءته القتالية في مختلف أفرع القوات المسلحة.
ولهذا فإن استنزاف هذه القوة في معركة لا تختار مصر زمانها أو مكانها لا يمكن أن يمثل مكسبًا لمصر، حتى لو بدا في ظاهره تعبيرًا عن القوة أو البطولة أو نصرة قضية عادلة.
فالحرب ليست مجرد قرار بإطلاق النار، وإنما حسابات دقيقة تتعلق بالهدف والتوقيت والمكان والنتائج وما بعد الحرب. والدولة التي تملك جيشًا قويًا لا تحتاج إلى إثبات قوته في كل أزمة، بل تحتاج إلى الحفاظ على هذه القوة حتى تستخدمها عندما تفرض عليها الضرورة الدفاع عن أرضها وأمنها ومصالحها الحيوية.
ولعل أخطر ما في الدعوات المتكررة إلى إدخال الجيش المصري في صراعات المنطقة أنها تتجاهل سؤالًا أساسيًا: من المستفيد إذا استُنزفت هذه القوة؟
الإجابة لا يمكن فصلها عن شكل المنطقة الذي تشكل خلال العقود الأخيرة. فقد خرج الجيش العراقي من معادلة القوة، وتراجعت القدرات العسكرية السورية بصورة كبيرة، بينما لا تمثل قدرات بعض الجيوش العربية الأخرى، مثل الجيشين اللبناني والأردني، تهديدًا عسكريًا تقليديًا مباشرًا لإسرائيل.
وبذلك تقلصت تدريجيًا مصادر القوة العسكرية العربية القادرة على إحداث توازن حقيقي في مواجهة إسرائيل، وبقي الجيش المصري حالة مختلفة، ليس فقط بحكم حجمه، وإنما بسبب تماسكه وقدراته وتنوع مصادر تسليحه وتطوره المستمر، فضلًا عن امتلاكه عقيدة عسكرية واضحة تجعل مهمته الأساسية حماية الدولة وردع أي اعتداء على أراضيها ومصالحها.
وهنا يصبح مفهوم «الطوق النظيف» أكثر وضوحًا. فإسرائيل، التي عاشت تجربة حرب أكتوبر 1973 باعتبارها آخر مواجهة تقليدية كبرى لها مع جيش عربي نظامي، تعرف جيدًا معنى وجود جيش مصري قوي على حدودها. ولذلك فإن المنطقة التي تخلو من جيوش عربية قادرة على الردع التقليدي تظل أكثر ملاءمة لأي مشروع يسعى إلى توسيع النفوذ والسيطرة وفرض قواعد جديدة على المنطقة.
والمشكلة إذن ليست فقط في أن يدخل الجيش المصري حربًا، وإنما في أن يدخل حربًا تستنزف قدراته وتستهلك أسلحته وموارده وتصرف انتباهه عن مهمته الأساسية، وتضعه في مواجهة جبهات متعددة وصراعات مفتوحة لا تنتهي بسهولة.
وقد يبدو المشهد في لحظته الأولى وكأن المطلوب هو «تحريك» القوة المصرية، بينما قد تكون النتيجة الحقيقية هي إضعافها.
وهذا تحديدًا ما يجب أن تنتبه إليه مصر.
فمصر لا تعيش في منطقة مستقرة، ولا تواجه تهديدًا واحدًا يمكن التعامل معه ثم إغلاق الملف. حولها أزمات وجبهات وصراعات وتغيرات متلاحقة، بعضها يمس أمنها المباشر، وبعضها يقترب من حدودها، وبعضها يتعلق بمصالحها الاقتصادية ومصادر أمنها المائي وحركة تجارتها وممراتها البحرية.
ومن ثم فإن الحفاظ على الجيش المصري قويًا ومتماسكًا وجاهزًا ليس موقفًا سلبيًا، وليس هروبًا من مسؤولية إقليمية، وإنما هو في حد ذاته جزء من الأمن القومي المصري، بل ومن معادلة التوازن في المنطقة.
وإذا كانت مصر تدرك أنها تمثل، بحكم موقعها وقدراتها، إحدى أهم ركائز التوازن الإقليمي، فإن إدخال جيشها في حرب لا تمثل دفاعًا عن أرضها أو مواجهة لاعتداء مباشر عليها يجب ألا يتحول إلى مطلب سهل تفرضه الضغوط أو الشعارات أو الأسئلة الملغومة.
فالجيش المصري ليس ملكًا للحظة سياسية عابرة، ولا ورقة يمكن استخدامها لإثبات موقف، ولا قوة متاحة لأي طرف يريد أن يختبر قدراته في حرب ليست حربه.
إنه قوة دفع المصريون ثمنها من عرقهم ومواردهم وتضحيات أبنائهم، وبنوها على مدى عقود لكي تكون درعًا للوطن عندما يحتاج إليها، لا لكي تتحول إلى أداة لاستنزاف الوطن عندما يريد الآخرون ذلك.
ولهذا فإن السؤال الصحيح ليس: لماذا لا يستخدم المصريون جيشهم؟
السؤال الحقيقي هو: من الذي يريد للجيش المصري أن يحارب؟ ولماذا الآن؟ وفي أي معركة؟ ولصالح من؟
فمصر لا تخشى الحرب عندما تفرض عليها، ولا تتردد في الدفاع عن أرضها ومصالحها إذا تعرضت للخطر، لكنها في الوقت نفسه لا تسمح لأحد بأن يختار لها معركتها أو يحدد لها توقيتها أو يستدرجها إلى حرب تستنزف قوتها.
لأن أقوى جيش في المنطقة لا تكون قيمته في عدد الحروب التي يخوضها، وإنما في قدرته على أن يظل قويًا، وأن يظل قرار استخدام قوته قرارًا مصريًا خالصًا.
وهنا تحديدًا تكمن قيمة القوة.. أن تملكها، وتحافظ عليها، وتعرف متى تستخدمها، والأهم أن تعرف متى يريد الآخرون منك أن تستخدمها لحسابهم لا لحساب وطنك.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.