الكاتب الصحفي محمد  العزيزي يكتب: الدليفري.. توكتوك جديد؟

الكاتب الصحفي محمد العزيزي
هناك ظواهر تبدأ كحل لمشكلة حقيقية، ثم تنمو وتتسع حتى تتحول هي نفسها إلى مشكلة تحتاج إلى تنظيم وحل ولعل تجربة التوكتوك واحدة من أوضح النماذج على ذلك، فقد ظهر في البداية كوسيلة مواصلات بسيطة ورخيصة وسريعة تستطيع الوصول إلى مناطق وشوارع يصعب على وسائل النقل التقليدية الوصول إليها، وانتشر خصوصًا في القرى والمناطق الشعبية والمراكز البعيدة عن المدن والطرق الرئيسية
ومع الوقت تمدد التوكتوك إلى المدن والميادين والشوارع الرئيسية وتزايدت أعداده بصورة كبيرة وتحول من وسيلة مساعدة إلى وسيلة أساسية يعتمد عليها قطاع من المواطنين في تنقلاتهم اليومية، ومع اتساع الظاهرة ظهرت معها مشكلات متعددة.. من القيادة دون السن القانونية إلى المخالفات المرورية فضلًا عن استخدام بعض هذه المركبات في ارتكاب جرائم أثبتتها التحقيقات وأحالتها النيابة إلى القضاء.
لم تكن المشكلة يومًا في وجود التوكتوك باعتباره وسيلة نقل وإنما في أن الظاهرة سبقت التنظيم، وأن التعامل معها لم يواكب سرعة انتشارها حتى أصبح تقنينها والسيطرة على حركتها أكثر صعوبة بعد أن تضخمت أعدادها واتسع نطاق استخدامها!
واليوم تقف أمامنا ظاهرة أخرى مختلفة في طبيعتها، لكنها تستحق أن نتعامل معها بالدرس نفسه قبل أن تتكرر التجربة، وهي مهنة توصيل الطلبات أو ” الدليفري “
هذه المهنة لم تأت من فراغ وإنما فرضتها تحولات حقيقية في الاقتصاد ونمط الاستهلاك. التجارة الإلكترونية توسعت والشراء عبر الإنترنت أصبح جزءًا من الحياة اليومية، وأصبح توصيل الطلب إلى باب المنزل حلقة أساسية في هذه المنظومة، ومع هذا التوسع ظهرت فرص عمل جديدة أمام الشباب، وأصبح الدليفري مصدر دخل لعدد كبير من العاملين، سواء من خلال الشركات والمنصات أو بصورة مستقلة.
ومن هنا يجب أن ننظر إلى الدليفري باعتباره جزءا من سوق العمل الجديد وليس مجرد نشاط مؤقت أو مهنة هامشية يمكن تجاهلها، فهذه السوق تتسع وكلما اتسعت زادت الحاجة إلى قواعد واضحة تنظم العلاقة بين العامل وصاحب العمل والمنصة والمستهلك، وتحمي حقوق كل طرف دون أن تعطل النشاط أو تحرم الشباب من فرص العمل التي يوفرها! لكن طبيعة المهنة تفرض تحديًا إضافيًا يتعلق بالسلامة.
فعامل الدليفري يعمل في الشارع وعلى دراجة نارية في كثير من الحالات، ويؤدي مهمته تحت ضغط الوقت.. كل طلب مرتبط بموعد وكل دقيقة قد تؤثر في تقييم العامل أو دخله، وقد تمثل الإكرامية جزءًا مهمًا من عائده اليومي، وفي بعض أنظمة العمل يمكن أن يتحول التأخير إلى خصم أو إنذار أو حتى تهديد بفقدان مصدر الرزق، ومع تكرار الطلبات يصبح الوقت بالنسبة للعامل أكثر من مجرد عنصر في الخدمة بل يصبح معيارًا لاستمراره في العمل من عدمه.
وهنا تظهر المشكلة التي لا يجوز تجاهلها.. نحن نريد خدمة سريعة لكننا لا نريد أن تتحول السرعة إلى قيادة متهورة أو سير عكس الاتجاه أو تجاوز لقواعد المرور، ولا نريد في الوقت نفسه أن يتحول ضغط العمل إلى ذريعة لإلقاء المسؤولية كاملة على العامل الذي يبحث عن مصدر رزقه!
المعادلة تحتاج إلى تنظيم واضح فلا يمكن أن نطلب من العامل الالتزام الكامل بقواعد الطريق، ثم نتجاهل الظروف التي يعمل في ظلها، كما لا يمكن أن نسمح بأن تصبح ضغوط العمل مبررًا لتعريض حياته وحياة الآخرين للخطر. ولهذا فإن تنظيم المهنة يجب أن يبدأ من تحديد مسؤولية كل طرف، لا من تحميل العامل وحده نتيجة منظومة كاملة.
العامل يحتاج إلى حماية قانونية واجتماعية، وتأمين ضد إصابات العمل، ومهمات للسلامة، وقواعد واضحة لساعات العمل والخصومات والتقييم.
 وصاحب العمل أو المنصة يحتاج إلى إطار قانوني محدد يوضح مسؤولياته تجاه العامل، والمستهلك يحتاج إلى خدمة آمنة وموثوقة يعرف من خلالها الجهة المسؤولة عن الخدمة في حال وقوع مشكلة!
أما المرور، فقد أصبح طرفًا أساسيًا في هذه المعادلة مع تزايد أعداد الدراجات التي تعمل في توصيل الطلبات يوميًا.
هنا تأتي أهمية التحرك المبكر، خصوصًا أن الدولة بدأت بالفعل خطوات في اتجاه حماية العاملين في هذا القطاع وتنظيم أوضاعهم، وهو ما يجب البناء عليه وتطويره إلى منظومة متكاملة تواكب سرعة نمو النشاط بدلًا من انتظار اتساع الفجوة بين الواقع والقانون.
المطلوب ليس محاصرة مهنة الدليفري أو التضييق على العاملين فيها، وإنما الاعتراف بأنها أصبحت جزءًا من سوق العمل المصري وأن استمرارها وتوسعها يحتاجان إلى قواعد واضحة نحتاج إلى معرفة حجم النشاط وأعداد العاملين فيه وتنظيم علاقة العمل وتحديد مسؤولية الشركات والمنصات، وتوفير التأمين والحماية المهنية، ووضع قواعد للسلامة المرورية، وآليات واضحة للشكاوى والمحاسبة.
فالمشكلة ليست في أن يعمل شاب في توصيل الطلبات، وإنما في أن يعمل دون حماية كافية أو أن تتحول سرعة التوصيل إلى سباق في الشوارع أو أن تتوسع المهنة سنوات طويلة قبل أن نضع لها الإطار القانوني الذي تستحقه.
التجربة المصرية مع التوكتوك تقول لنا إن التنظيم المتأخر يصبح أكثر صعوبة كلما كبرت الظاهرة، وكلما ارتبط بها عدد أكبر من المواطنين ومصادر الدخل والمصالح الاقتصادية.
ولذلك فإن أفضل وقت لتنظيم الدليفري هو الآن، قبل أن يتحول الانتشار إلى تعقيد، وقبل أن يصبح تصحيح المسار أكثر كلفة وصعوبة!
وهنا يصبح السؤال مشروعًا: هل نتعامل مع الدليفري باعتباره مهنة جديدة تستحق التنظيم والحماية أم نتركه ينمو بلا ضوابط حتى نكتشف بعد سنوات أننا أمام «توكتوك» جديد؟
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.