جهد شوقى السيد تكتب: هو الفاضي يعمل قاضي؟!

جهاد شوقى السيد

لم يعد انتحال الصفات الرسمية مجرد وسيلة للنصب والاحتيال، بل أصبح في بعض الأحيان محاولة لصناعة نفوذ زائف وشهرة مجانية، مستفيدًا من سطوة مواقع التواصل الاجتماعي ودخولها في كل بيت، والتي باتت تمنح بعض الأشخاص شرعية لا يستحقونها، قبل أن تمنحهم الجهات المختصة أي صفة أو مكانة.

الواقعة التي شغلت الرأي العام خلال الأيام الماضية، والمتعلقة بانتحال أحد الأشخاص صفة قاضٍ، ليست الأولى من نوعها، فقد سبقها انتحال صفات ضباط جيش وشرطة، وغيرهم من رجال الدولة. إلا أن هذه الواقعة تحمل دلالات أكثر خطورة، لأنها – وفقًا لما تم تداوله – لم تستهدف المواطنين فحسب، وإنما مست إحدى أعرق مؤسسات الدولة، وهي المؤسسة القضائية.

فإذا صح أن هذا الشخص استطاع الدخول إلى إحدى أكبر المحاكم في القاهرة، والتجول داخلها، وتصوير مقاطع فيديو ونشرها عبر منصات التواصل الاجتماعي، وهو يرتدي الزي القضائي مدعيًا الحكمة والخبرة القانونية،

فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بذكاء المحتال، وإنما بكيفية تمكنه من تنفيذ ذلك دون أن يثير الشكوك طوال هذه المدة. فقد قام باستخدام قاعات احدي اكبر المحاكم في مصر هنا ،محكمة شمال القاهرة والمعروف عنها انها تقتظ بالموظفين والساده القضاة والمحامين والالاف من المواطنين الباحثين عن العدالة في اروقتها .

كيف تمكن من الاختلاط بالقضاة والموظفين والمحامين والمترددين على المحكمة؟ وكيف مر وسط هذا الكم من العاملين دون أن يلتفت إليه أحد؟

بل كيف وصل الأمر إلى أن يصدق روايته آلاف المتابعين، ومن بينهم أشخاص يتمتعون بقدر كبير من الثقافة والوعي؟

وبعضهم من رجال الدولة وقضاه حقيقين!! فما قام به هو تعصيب لعيون العدالة في عقر دارها وعلي مرأى ومسمع من الجميع.

إن خطورة الواقعة لا تكمن في شخص المحتال وحده، فالنصب والاحتيال ظاهرتان عرفهما المجتمع منذ زمن طويل،

وإنما تكمن في الثغرات التي قد يستغلها أصحاب النفوس المريضة للمساس بهيبة مؤسسات الدولة، أو استغلال ثقة المواطنين فيها.

لون الوشاح

ومن المفارقات أن التفاصيل المتداولة تشير إلى أن أحد الأخطاء التي ساهمت في كشفه كان لون الوشاح الذي ارتداه،

إذ إن الوشاح القضائي يختلف باختلاف الجهة القضائية، وهو ما أثار الشكوك حول حقيقة صفته،

إلى جانب الشكاوى التي تقدم بها بعض الأشخاص، والتي ساهمت في كشف الواقعة.

وقد يذهب البعض إلى أن الدافع وراء هذا السلوك هو الشهرة أو ما يعرف بـ”الشو الإعلامي”، بينما قد يرى آخرون أنه سلوك إجرامي

هدفه تحقيق مكاسب مادية أو اجتماعية. ومهما تكن الدوافع، فإن النتيجة واحدة، وهي أن مثل هذه الوقائع تستوجب

مراجعة إجراءات التحقق من الهوية داخل المؤسسات الحساسة، حتى لا تتكرر مستقبلًا وتشديد الإجراءات والتأكد من صحه الهوية الشخصية

لأي فرد داخل هذه المؤسسات.

ويبقى السؤال الأهم: ماذا لو لم يكشف هذا الشخص؟ وما الذي كان يمكن أن يحدث لو استمر في ممارسة هذا الدور المزيف لفترة أطول؟

وهل تكشف التحقيقات عن وجود ثغرات إدارية فقط، أم أن هناك تفاصيل أخرى لم تعلن بعد؟

الإجابة ستكشفها التحقيقات وحدها، لكن المؤكد أن هيبة مؤسسات الدولة لا تُصان بالعقوبات وحدها، وإنما أيضًا بإحكام الإجراءات،

وسد الثغرات، وترسيخ ثقافة التحقق، حتى لا يجد كل من يبحث عن بطولة زائفة طريقًا إلى صناعة وهم جديد.
وللحديث بقيه…

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.