محمد نبيل محمد يكتب : الصورة الذهنية لنصر أكتوبر وهزيمة كيبور 41

جولدا عن جيرانها فى كييف :"الرعاع الذين يجتاحون المدينة ملوحين بالسكاكين"

الكاتب محمد نبيل

“ومازالت ترن فى أسماعى بوضوح تلك الأحاديث عن مذبحة سوف تحل بنا”.. وتستطرد:”لكننى أعرف أنها تتمثل بكوننا يهودا.. وبالرعاع الذين يجتاحون المدينة ملوحين بالسكاكين والعصى وهم يصيحون (قتلة المسيح)”.

لنا أن نتخبل بدايات طفلة بائسة تختبىء باستمرار من جيرانها ومهددة دائما منهم وليست على علاقة جوار طيب أو حسن، بل هى ترتعد هلعا من تهديدها الدائم بالقتل ذبحا مع عائلتها وجيرانها “اليهود” من هؤلاء “الرعاع” كما تصفهم جولدا فى اعترافاتها عن وصف جيرانها، ما هذه البداية القاسية؟ وما تلك العجرفة وهذا التعالى على الآخرين ونعتهم “بالرعاع” وما لتلك المفردة من جملة معانى سلبية تخص العنصرية العقائدية، وتنال من الأخلاق والصفات الإنسانية لتجعلها متدنية، وبدائية وهمجية، هى تقصد كل ذلك من وصفها للمسيحيين جيرانها فى “كييف” بـ “الرعاع”!.. وعنهم تقول:”هؤلاء الذين سيقترفون ضدى وضد عائلتى أشياء رهيبة”.

“وأذكر الآن كيف وقفت على السلالم المؤدية إلى الطابق الثانى جيث كانت تسكن عائلة يهودية أخرى، ممسكة بيدى إبنتهم الصغيرة ونحن نرقب والدينا وهما يحاولان سد المدخل بالألواح”.. هذه الطفلة تتحد مع إبنة جارتها وتمسك بيدها متناسية أية فوارق بينهما وفقط تتحد لمواجهة التهديد المحتمل من هؤلاء الجيران “المسيحيون” أو التى تقول عنهم “الرعاع”، وفى المشهد الآباء يحاولون بناء سد ومانع يحول بينهم وبين جيرانهم، ما أشبه الليلة بالبارحة؟ّ.. وكأن هذه الطفلة وجارتها ووالديهما قد جبلوا على بناء السدود والموانع لتفصل بينهم وبين جرانهم، فالأمر ليس استعلاء لقدر جولدا وقبيلتها وتدنى من انسانية الآخرين وفقط، بل وأيضا رفض منذ البدايات على فكرة التعايش مع الآخرين!!.

لكن السؤال الحقيقى الذى يقتضى الحال بطرحه بعد رسم هذه الصورة الدقيقة عن الخوف والرعب من جيران جولدا مائيير و”قبيلتها” مع استعلاء جولدا و”قبيلتها” على هؤلاء الجيران “الرعاع”.. السؤال إن صح التهديد بالذبح لجولدا ووالديها ولجارتها الطفلة ووالديها من جيرانهما فمن يحكى ـ الآن ـ ويسرد اعترافه بعد سبعين عاما من هذه الواقعة التى يبدو وأن صاحبتها لم تمت ولم تُقتل ولم تُذبح لا هى ولا والديها ولا جارتها الطفلة ووالديها، فما هى حقيقة الأمر؟

الرد الطبيعى والمنطقى والتلقائى لك عزيزى القارىء هو أن نترك جولدا تستكمل اعترافاتها فى رسم دقيقف بإنتقائها واختيارها للألفاظ بعناية لتجيب عن السؤال ولتكمل المشهد، فتقول وتعترف جولدا فى نهاية الصفحة الأولى من الفصل الأول “طفولتى” وتذهب بنا جميعا لأبعد نقطة بعد أن أرعبتنا فى اعترافاتها من تصوير مشهد تهديد حجيرانها لها بالذبح هى ووالديها وجارتها الطفلة ووالديها..فتقول، وبهدوء عجيب:”صحيح أن هذه المذبحة لم تتم، لكننى مازلت حتى يومنا هذا مدى الرعب الذى اجتاحنى ومدى الغضب الذى اشتد بى لأن والدى لم يجد شيئا يفعله سوى دق الألواح الخشبية بالمسامير فى انتظار وصول (الأوغاد)”..إذن لم يحدث شيئا لا فى الحقيقة ولا فى الخيال، ولم تُذبح الطفلة جولدا أو أيًا من والديها أو جارتها الطفلة أو والديها ، لم تُراق قطرة دماء ولم يَقُم الجيران ” الأوغاد” المسيحيون ـ كما وصفتهم جولدا ـ بذبحها بالسكاكين أو حتى ضربها بالعصى، لكن ما حدث حقيقةً وفعلاً بإعتراف العجوز جولدا ذات السبعين وبضعة أعوام عند اعترافها عن جولدا الطفلة ذات الثلاث سنوات والنصف أنها كانت تبغض جيرانها منذ طفولتها وتنعتهم بـ “الأوغاد” و”الرعاع” وتبنى فى داخلها أسوارا من العزلة الدائمة منذ طفولتها إتباعا لفعل أبائها وآباء صديقتها، وتمارس الاستعلاء والاحتقار لهؤلاء الجيران، وتحصد ما زرعه والديها فى نفسها الطفلة بكراهية مطلقة لهؤلاء الجيران، بل وتنكر عليهم معتقداتهم التى هى سببا واضحا لكراهيتها لجيرانها، وتتوهم وتبنى من الوهم قلاعا من الحصون وجدار من العزلة تربى خلفها فكرة الخوف من الجيران، هؤلاء القتلة الجزارين، الاوغاد، الرعاع، ترى عزيزى الفارىء بغد وصف جولدا لطفولتها المعذبة ـ كذبا وادعاءًـ وفقط لخلق المبرر التاريخى لفعلين أحدهما باطن وهو “الكراهية” لجيرانها، وعدم الرغبة فى التعايش السلمى معهم، والثانى هو فعل العزل بالجدار والحصون وحتى الأبواب الخشبية فى أبسط صور العزل من جار توهمت جولدا وقبيلتها أن جيرانهم سيقتلونهم وسيذبحونهم فملئوا العالم صراخا وعويلا لأنهم سيذبحون وسيقتلون ، وما بقى من رواية جولدا التى عاشت بعد حادثتها سبعة عقود وزيادة أن القتل لم يحدث، وأن الذبح لم تُراق له قطرة دم، وأن السب واللعن للجيران هو ما تبقى يرعى فكرة الكراهية، وأن الحصون والجدران العازلة مازالت شاخصة شاهدة على كذب وافتراء جولدا وقبيلتها منذ بدايات الطفولة وحتى نهايات حياتهم!.
ونعود لاعتراف جولدا عن طفولتها المريرة سيأتى ذكره تاليًا إن شاء الله.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.