الكاتب الصحفي محمد  العزيزي يكتب: المعركة التي تسبق الحروب!

الكاتب الصحفي محمد العزيزي
لم تعد أخطر الحروب التي تواجه الدول هي تلك التي تخوضها بالدبابات والطائرات والصواريخ وإنما الحروب التي تستهدف وعي الشعوب وثقتها في نفسها ومؤسساتها، وفي عالم تتشابك فيه الأزمات وتتعاظم أدوات التأثير أصبحت الحرب النفسية إحدى أخطر وسائل الصراع لأنها تسعى إلى هزيمة الإرادة قبل استهداف الأرض!
ومصر تواجه هذا النوع من الحروب وهي تقع في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب تحيط بها تحديات ممتدة على اتجاهاتها الاستراتيجية الأربعة الشرق والغرب والشمال والجنوب. ولم يعد الخصوم يعتمدون فقط على القوة العسكرية بل أصبح الإعلام والمنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي ساحات رئيسية للصراع ومنصات تنطلق منها الشائعات والأخبار المفبركة والتحليلات المضللة بهدف بث الشك وإضعاف الثقة وإشاعة الإحباط داخل المجتمع.
وفي هذه المعركة يؤدي الإعلام دورًا بالغ الحساسية فهو إما أن يكون حصنًا لحماية الوعي الوطني يكشف الحقائق ويواجه الأكاذيب أو يتحول – عن قصد أو عن غير قصد – إلى منصة تمنح الشائعة مساحة أكبر من الحقيقة، وتفسح المجال أمام من يدّعون امتلاك المعلومات أو الحديث باسم ” مصادر مطلعة ” فيقدمون روايات غير دقيقة تفتح الباب أمام البلبلة والتشكيك.
وقد شهدت السنوات الأخيرة نماذج واضحة لهذه الحرب من حملات إعلامية منظمة استهدفت التشكيك في قدرة
الدولة على مواجهة التحديات إلى شائعات متكررة عن الاقتصاد والمشروعات القومية مرورًا بانتشار حسابات إلكترونية
وهمية تتحدث بلهجة مصرية لإيهام المتابعين بأنها تعبر عن الرأي العام ، بينما كان هدفها الحقيقي تشويه صورة
مؤسسات الدولة وبث الفرقة بين أبناء الوطن ومحاولة إفساد علاقات مصر مع محيطها العربي عبر صناعة أزمات
مفتعلة وإثارة الغضب على أسس زائفة!
ولأن الحرب النفسية تستهدف إرادة الشعوب قبل حدود الدول فإن التاريخ المصري يقدم شاهدًا واضحًا على أن
الأوطان لا تنهزم بمجرد خسارة معركة أو احتلال جزء من أراضيها، وإنما حين يفقد شعبها ثقته بنفسه.
ففي عام 1956 دخلت قوات العدوان الثلاثي الأراضي المصرية واحتلت أجزاءً من سيناء ومدن القناة، لكن إرادة
المصريين لم تنكسر وانتهت المعركة بانتصار الإرادة السياسية والشعبية، وفي عام 1967 كانت الهزيمة العسكرية
قاسية وسقطت سيناء إلا أن مصر لم تستسلم بل أعادت بناء قواتها المسلحة وخاضت حرب الاستنزاف حتى تحقق
نصر أكتوبر المجيد عام 1973.
وعلى امتداد العقود التالية واجهت الدولة موجات متعاقبة من الإرهاب استهدفت الجيش والشرطة والمواطنين، ورغم
قسوة تلك المواجهات، بقيت الدولة متماسكة وانتصر المجتمع على محاولات نشر الفوضى والخوف.
ومن هنا فإن مواجهة الحرب على الوعي ليست مسؤولية مؤسسات الدولة وحدها وإنما مسؤولية وطنية مشتركة،
فالإعلام المهني والمدرسة والجامعة والأسرة والمؤسسات الدينية والثقافية والمواطن نفسه جميعهم شركاء في
حماية الجبهة الداخلية فكل شائعة يتم تداولها دون تحقق وكل معلومة مجهولة المصدر يُعاد نشرها قد تتحول – من
دون قصد – إلى أداة تخدم أهداف من يسعون إلى إضعاف المجتمع وتقويض ثقته بنفسه.
إن الهزيمة الحقيقية لا تبدأ عند الحدود بل تبدأ حين ينسى الشعب تاريخه ويتخلى عن ثقته بقدرته على تجاوز
الأزمات ويسمح للشائعات بأن تبني وعيه، وللشك بأن يحكم نظرته إلى وطنه ومؤسساته!
ولهذا ستظل محاولات استهداف الوعي المصري قائمة ما دامت مصر دولة تمتلك وزنًا وتأثيرًا في محيطها الإقليمي
غير أن التاريخ يؤكد أن الشعوب التي تعرف قيمة وطنها، وتتمسك بهويتها وتدرك طبيعة ما يُحاك ضدها، تكون أقدر
على إفشال تلك المحاولات.
فمعارك هذا العصر لا يحسمها السلاح وحده، وإنما يحسمها أيضًا صلابة الوعي. وإذا كان الجيش يحمي حدود الوطن
فإن المواطن الواعي يحمي جبهته الداخلية، وحين تجتمع قوة الدولة مع وعي المجتمع، تصبح كل محاولات كسر
الإرادة مجرد فصل جديد في تاريخ طويل من صمود مصر وانتصارها على التحديات.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.