محمد نبيل محمد يكتب : معارك المفردات بين الثابت والمتغير

الفصل الثانى .. فخ "الشرق الأوسط" !

الكاتب محمد نبيل

اجتهد المفكر ميلاد حنا (1924- 2012) فى رسم ملامح حقيقية لمصر، وتجلى جهده فى مؤلفه الرائع “الأعمدة السبعة” الذى صدر فى نسخته الأولى 1989 والذى كان مجرد فكرة وتنامت إلى حد كتاب ـ وما أبدع ـ فى ثمانية فصول، وشجعه على كتابته صديقه المثقف الالمانى الهرر مولف جانج أرنولد وهو الممثل الإقليمى فى مصر لمؤسسة أهلية تعمل للتعاون الثقافى بين مصر وألمانيا، والذى أجد فى صداقته بمفكرنا ميلاد حنا ذات العلاقة التى كانت بين أديبنا الفيلسوف توفيق الحكيم وصديقه المثقف رينيه الذى أوعز إليه بالبحث عن موهبته الحقيقية التى بدأت فى الرسم ثم العزف فالنظم بالشعر إلى أن انتهت إلى الكتابة النثرية السردية، وكان بشهادة الحكيم نفسه عندما يتلو عليه مشروع لقصة أو لرواية ويبدأ فى قراءتها عند باب الحديقة المجاورة لسكنه الذى ألف عنه “عصفور من الشرق” كان رينيه فى نهاية طريق الحديقة يكور ورق الكتابة بقبضته ويلقى به فى سلة المهملات المجاورة لباب الحديقة ويشجعه على الكتابة بتعمق أكبر وبجمال أحسن، … تلك علاقة شبيهة بتشجيع مولف جانج أرنولد لميلاد حنا للاستمرار فى كتابه عن الشخصية المصرية، والتى ما انتهى ميلاد من كتابة مقالة عن مشروع كتابه “الاعمدة السبعة” حتى أمر مولف بترجمته إلى الألمانية، ويصفه فى مقدمة الكتاب ميلاد حنا ويقول: مثلما فعل أرشميدس عندما سبح فى المياه واكتشف قانون الأجسام الطافية، صاح صديقه الالمانى قائلا: لقد عشت طويلا فى مصر ولكنك جعلتنى أكثر تفهما لمصر.. فقبل قراءة مقالك كنت مثل كل أقرانى فى أوربا وأمريكا نشعر أننا جئنا لمساعدة مصر لأننا نسبقها فى سلم التطور الحضارى، ومن منطلق أن مصر تنتمى إلى “الشرق” وإلى “العالم الثالث” ولكننى أقر أن مصر شىء “مختلف” بهذه التركيبة التاريخية الجغرافية وأشعر الآن أننى قادر على أن أتعامل مع المصريين بنظرة ومفهوم جديدين، وسيعود ذلك على عملى بالنفع”.
ومع ان هذا الكتاب بمثابة مرجع شخصى ـ لى أنا ـ كما بعض المؤلفات فى ذات السياق مثل “شخصية مصر دراسة فى عبقرية المكان” للشهيد المفكر الجغرافى جمال حمدان، الذى صدر 1967 فى مجلد من أربعة أجزاء… إلا إن كتاب “الأعمدة السبعة للشخصية المصرية” الذى اعتبره مرجعا رصينا مع اختلافى بعض الشىء مع استاذنا فى بعض المسميات لهذه الأعمدة، فمصر لا تعرف النسب لـ “الفرعونية” لذا لا يجب أن نناديها بمصر الفرعونية بل “مصر القديمة” وكذلك ليست مصرالمسيحية قبطية، ذلك لان ترجمة “القبطية” تعنى “المصرية” نسبا إلى “ايجيبتوس” أو “ايجبت” أو “قبط” فكيف ننادى على مصر ونقول” مصر المصرية” ؟! .. فلا يصح ان نقول مصر القبطية، ونحن نعنى ونقصد مصر المسيحية… وفى هاتين المفردتين معرض خلافى مع استاذنا الكبير عندما سمى الأعمدة التى ترتكن عليها الشخصية المصرية بالفرعونية “المصرية القديمة” واليونانية والرومانية والقبطية “المسيحية” والإسلامية والإفريقية والمتوسطية.
وربما هنا الاختلاف الشكلى وليس الموضوعى كان أـيضا مع تسميته لعنوان كتابه “نعم أقباط لكن مصريون” الذى صدر 1980
وثانى الاختلافات مع استاذى ـ ميلاد حنا ـ هو أن الكتاب لم يذكر العمود العربى، إنما أجد فى جغرافية مصر ارتباطا عضويا بالتاريخ العربى، وبالتالى بالثقافة العربية، لغة وأنماط تفكير وطرائق حياة… ومن هنا اعتقد ان الكتاب كان ينقصه عمودا عربيا، إنطلاقا من اعتماده على ديانتين هما “المسيحية” والاسلام” وهما عمودا العقيدة المصرية، إلى جانب الجوار الجغرافى المتوسطى والافريقى، والتزامن التاريخى مع الحضارتين الرمانية والإغريقية، وكلاهما من الأعمدة الداعمة للشخصية المصرية إلى جانب عمود أساسها المركزى “الحضارة المصرية”، وهنا أجد استاذنا قد مزج بين العثيدة الاسلامية والجوار العربى فى مسمى واحد وهو”الإسلام”…
ورغم إننى اتفق ـ تمام الاتفاق ـ مع دعوة الأزهرى التنويرى رفاعة رافع الطهطاوى (1801 ــ 1873) كما ظهر فكره جليا عبر مؤلفه الرصين والذى أعده الإطار النظرى لمفهوم “القومية المصرية” أو “الوطنية” بمعنى أدق “مناهج الألباب المصرية فى مباهج الآداب العصرية” 1869 … وربما كانت كلمته فى وداع أهله عندما شرع فى سفره كإمام للبعثة العلمية المصرية إلى فرنسا، وخطب فى أهله أمام بيت خاله الشيخ فراج الانصارى 1826 :”..أنا إن تركت وطنى فإنما أتركه بجسمى لا بروحى فحب الوطن من الإيمان ومن طبع الأحرار الحنين إلى الأوطان، ومولد الإنسان على الدوام محبوب ومنشؤه له مرغوب، والكريم لا يجفو أرضا بها قوابله ولا ينسى دارا فيها قبائله. يا اخوانى، أنا وإن ألبستنى المحروسة نعما ورفعت لى بين أمثالى علما فلازلت أتشوق إلى الوطن”
واختتم خطبته عن الوطنية:” … منازل لست أهوى غيرها” وهو أيضا من قال:” الوطنى المخلص فى حب الوطن هو الذى يفدى وطنه بجميع منافع نفسه ويخدمه ببذل جميع ما يملك ويفديه بروحه” بل وزاد ان جعل عشق الوطن عبادة فقال:”…حب إيصال النفع إلى الوطن، الذى حبه من الإيمان،…فإن خدمة مصر، فريدة العصر، دار هجرة الفهم، المبرزة لكل شهم”.
ومن شدة وفرط وطنيته المخلصة والملحوظة أنعم عليه والى مصر برتبة الصاغ “الرالئد” ليجعله فى مصاف العسكريين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.