جهاد شوقى السيد تكتب: في المرمى!

جهاد شوقى السيد

مما لا شك فيه أن ما شهدناه في الأيام الأخيرة كشف عن الروح الوطنية الأصيلة للمواطن المصري، مهما حاول أن يتخفى خلف ثوب اليأس أو يشكو ضيق الحال وصعوبة الواقع. فعندما يتعلق الأمر باسم مصر، تتوارى الخلافات وتعلو راية الانتماء.

هذه المرة كان الالتفاف الشعبي حول كرة القدم، ورغم أن الإنجاز قد يبدو للبعض مجرد انتصار رياضي، فإنه حمل دلالات أكبر بكثير.

فمنذ عقود لم تصل مصر إلى دور الستة عشر في بطولة كأس العالم، وهو ما جعل كثيرين لا يتوقعون

أن يبلغ المنتخب هذا الدور، فضلاً عن مواجهة بطل العالم وحامل اللقب، منتخب الأرجنتين.

ولأن التوقعات كانت متواضعة، فقد استهان بعض المدربين والمحللين بقدرات المنتخب المصري،

إلا أن الأداء الذي قدمه اللاعبون في البطولة قلب جميع التوقعات، وأصبح محل إشادة داخل مصر وخارجها.

وعندما واجه المنتخب المصري نظيره الأرجنتيني، اعتقد البعض أن المباراة ستكون نزهة سهلة للأرجنتين، لكن الواقع كان مختلفًا؛

إذ قدم المنتخب المصري مباراة بطولية، وكان قريبًا من إقصاء أحد أقوى منتخبات العالم.

لهذا السبب احتفى الشعب المصري بلاعبيه، مع انهم لم يحققوا انتصارًا كاملا، بل لأنهم قدموا كل ما لديهم داخل الملعب،

ولم يدخروا جهدًا في سبيل الدفاع عن اسم مصر. وفي الرياضة، ليست النتيجة وحدها هي معيار النجاح، بل إن الأداء والروح القتالية

يصنعان انتصارًا من نوع آخر، حتى وإن انتهت المباراة بالخسارة.

وقد أعادتني هذه المشاهد إلى ما فعله المصريون بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير، عندما نزلوا لإزالة الركام وتنظيف الشوارع.

إنها الروح نفسها؛ روح شعب يعشق وطنه، ويتمنى دائمًا أن يرى علمه مرفوعًا بين الأمم. كما أنه شعب تحركه الإنسانية

قبل أي شيء، وهو ما ظهر جليًا في استقباله الحافل للاعبي المنتخب رغم عدم تحقيق البطولة.

وفي المقابل، تابع العالم بعض المشاهد غير الحضارية التي صدرت عن جماهير الارجنتين طوال البطولة و في نهائي الكأس

عندما فازت أسبانيا واصبحت حامل اللقب لعام ٢٠٢٦ وقد قامت الجماهير الأرجنتينية بأعمال تخريب في العاصمة الأرجنتينية بوينس ايريس

عقب المباريات، و أعمال شغب أو مظاهر تعصب، بينما ظل الجمهور المصري يقدم صورة أكثر احترامًا وتقديرًا للرياضة وللخصم،

حتى في لحظات الخسارة.

لقد كان للحضور الجماهيري المصري تأثير لافت في البطولة، سواء من خلال دعمه الاستثنائي لمنتخبه أو عبر التفاعل الكبير

الذي جذب أنظار العالم إلى الجماهير المصرية المعروفة بخفة ظلها، وروحها الطيبة، وحبها للحياة.

لقد كان الانتصار الحقيقي في هذه البطولة هو هذا الشعب العظيم؛ شعب يجري في عروقه نهر النيل، ويعشق تراب وطنه،

ويؤمن بأن اسم مصر يستحق دائمًا أن يكون في المقدمة.

فربما تخسر مباراة، لكنك لا تخسر وطنًا يعرف كيف يلتف حول أبنائه، ويمنحهم الثقة، ويحتفل بكل من يدافع عن رايته بشرف.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.