“إننى أعرف مشاعرى”.. تستمر جولدا فى حالة الصدق من نفسها وكأنها تقف أمام محكمة التاريخ، وتصف بدقة متناهية مشاعر الخسارة والهزيمة التى لحقت بها واكتست بها وربما تخللت خلاياها بصورة لن تتمكن فى التخلص من هذه الحالة “الهزيمة” على الإطلاق، وتعود لتصف شريكها فى الهزيمة كما كان يقاسمها الزهو والخيلاء والتشدق بالمقولة الأشهر على لسان كل منهما”الجيش الذى لا يقهر”!.. وتقول عن موشيه دايان وزير جيش الدفاع المهزوم:”وأعرف كيف شعر دايان”.. هى هنا لا تصف مشاعره على الإطلاق بل بالتخصيص عن حال وواقع الهزيمة المرير، نعم، هى تعرف كيف يشعر القائد المنهزم بل والمنسحقة كرامته العسكرية، وتعود لتصف حاله الميئوس منه:”وكان فى الأيام الأولى من حرب يوم كيبور متشائما إلى حد كبير”..هذا الوصف الدقيق من رئيسة وزراء الكيان وقائد أعلى الجيش عن وزير دفاع حكومتها والقائد العام لجيش الدفاع هى تراه متشائما لا بسبب بشائر النصر بل من المؤكد التشاؤم كنتيجة طبيعية من حال الهزيمة من اليوم الأول للقتال مع المصريين، ومن توقع ـ لا محال ـ من استمرار تلك الهزيمة للكيان ولجيش الدفاع فى الأيام التالية لعبور المصريين لخط بارليف.
تعود جولدا إلى تحميل دايان الجزء الأكبر من أسباب هزيمة كيبور، فمن خلال اعترافاتها الصريحة وقبيل انتهاء فصل “الهزيمة” بفقرتين أو ثلاثة على أقصى تقدير، مازالت تتمسك تلك المرأة بصورتها كبطلة قومية للكيان العبرى ولو على حساب الزج بأسباب الهزيمة من ناحيتها صوب وزير الدفاع منفردا، فتعترف بمكر سياسى :”ولقد منعته من الاستقالة أثناء الحرب، لكننى أعتقد أنه كان عليه أن يستقيل مباشرة عقب قيام لجنة اجرانات للتحقيق بنشر تقريرها الأول يوم 3 ابريل 1974″.. ولنا هنا عزيزى القارىء وقفة ـ تعبوية ـ تتضمن استخلاص عددا من النقاط الأكثر أهمية فى اعترافات جولدا مائيير قبيل أن تنهى فصلها “الهزيمة” وهو قبل الأخير فى كتابها “اعترافات جولدا مائيير” أو “حياتى”.. فهى تعترف بالهزيمة المطلقة بادىء ذى بدء، ومن ثم تذهب لتعترف بمسؤلية الهزيمة التى وجهت بها تحقيقات لجنة اجرانات إلى قادة جيش الدفاع ومنهم ديفيد اليعازر رئيس الاركان وايلى زعيرا مدير المخابرات الحربية وجونين قائد الجبهة الجنوبية وغيرهم بما وصفته لجنة التحقيق فى تقريرها المنشور بما يسمى “الهزيمة وأسباب التقصير” وثالثا: تذهب جولدا مائيير إلى الإعتراف الصريح خلال مفردات وجمل دقيقة وواضحة تشكل سطور وفقرات صفحات الفصل الرابع عشر المعنون بداية بـ “الهزيمة” وتعترف بداية :”ما أشق على نفسى من الكتابة عن هزيمة كيبور”.. حتى تقول رئيسة وزراء دولة الكيان والقائد الأعلى لجيش الدفاع قولها الفصل فى “الهزيمة” حتى لا يراجعها فى اعترافاتها من هم لم يعايشوا كيبور، ومن هم لم يعلموا بدقائق أمور دولة الكيان، ومن هم لم يلموا بتفاصيل ما قبل الهزيمة ومجرياتها خلال أيام حرب كيبور، ومن هم لم تجبرهم الهزيمة على الرغبة بالتسليم والتفاوض والحصول على الأسرى والقتلى والجرحى والانسحاب من الأرض وتنكيس علم الكيان وغيرها من الأمور التى لا يمكن بحال من الأحوال محوها أو تحريف حقيقتها، فتلك اعترافات أكبر سلطة سياسية وتنفيذية فى دولة الكيان قبل الحرب بثلاثة أعوام وبعد الحرب بعام، فلا يقبل العقل بمناهجه المنطقية والعلمية المجردة من نكران اعترافات “الهزيمة” التى صاغتها بدقة متناهية جولدا مائيير رئيسة وزراء دولة الكيان والقائد الأعلى لجيش الدفاع، ورابعا: تذهب جولدا إلى اتهام مباشر وصريح لوزير الدفاع موشيه دايان من خلال توثيق اعترافاتها بذكر ثلاث حوادث قدم فيها موشيه دايان استقالته بدءا من اجتماع الصدمة الذى عقد فى مكتبها الساعة الثانية عشر من يوم السادس من أكتوبر والذى كان يؤكد فيه لها موشيه دايان من استحالة قيام المصريون بأية عمليات عدائية ضد الكيان وان المصريين أمامهم عشرين عاما على التفكير فى عبور مانع قناة السويس والذى سيصبح بحيرة من دماء الجيش المصرى حال عبورهم وسيقف خط بارليف هذا المانع الذى تكلف حينها خمسمائة مليون دولار وسيكون مانع تالى لقناة السويس وحائط صد معجز لعبور المصريين، ولكن وهو يستمر فى ترهاته يدفع الباب سكرتيرها العسكرى يسرائيل ليعلن الصدمة على الجميع ويقطع حديث وزير جيش الدفاع بنيأ عظيم وهو عبور المصريين ورفع علم مصر على سيناء، وهنا سحب دايان ورقة وكتب عليها استقالته، وهذا المشهد تصفه جولدا بدقة بارعة وكأنها لا تكتب للتاريخ حتى يقرأ الشعب العبرى وفقط بل وكأنها تعطيه المشهد صوتا وحركة ومشاعر معلنة ومسكوت عنها بحرفية تقترب من الكمال!.. حتى لا ينكر حالة الهزيمة “هزيمة كيبور” أيا ممن سيأتى بعدها على مدار تاريخ هذا الكيان ومستقبله “الميئوس منه”.
والكثير من مرارة الإعتراف سيأتى ذكره تاليًا إن شاء الله.