قبل أيام قليلة كتبت مقالا فى هذا المكان بعنوان ” مصر تستكشف كنوزها ” تناولت فيه قيام الدولة المصرية لأول منذ أربعة عقود بإجراء مسح جوى لاستكشاف ترواث باطن الأرض ، وفى هذا المقال أتعرض للجهود المبذولة والنتائج المرجوة للوصول إلى كميات غير قليلة من المعادن النفيسة وفى مقدمتها ” الليثيوم ” ذلك الكنز الصحراوي الذى قد يغير الكثير من أساليب وقواعد اللعبة على كافة المستويات، لا سيما فيما يتعلق بالشأن الإقتصادى والعسكري .
وكما ذكرت في البداية تنفذ مصر خطة بحث متقدمة من الاستكشاف والمسح الجيولوجي المكثف في أراضيها وجبالها ومياهها، لتحديد حجم الثروات والموارد الحقيقية من الغاز والبترول، ومن الذهب ومعادن طبيعية كالفوسفات، وصولاً للمعادن النفيسة مثل الليثيوم الملقب بالذهب الأبيض!.
وتؤكد المؤشرات أن هناك توقعات إيجابية بناء على تقارير جيولوجية تحدثت حول مناطق التواجد المحتملة لليثيوم في مصر، حيث تُشير الأبحاث الجيولوجية ومجموعات العمل بوزارة البترول والثروة المعدنية إلى أن البيئة الجيولوجية المصرية غنية بالمؤشرات الواعدة لتواجد خام الليثيوم، وتتركز في طبيعتين أساسيتين ، أولهما فى الصخور الجرانيتية (الصحراء الشرقية)، ويتواجد هناك الليثيوم كعنصر مصاحب لمعادن نفيسة مثل ( التنتالوم والقصدير والنيوبيوم، وضمن صخور الجرانيت الغنية بالبيتاليت والسبودومين.) .
وكذلك تشير الأبحاث إلى تواجد هذا المعدن المهم في البحيرات الملحية والسبخات (الصحراء الغربية)، حيث تُصنف البحيرات الملحية الجافة كـ “مصائد” طبيعية لترسب العناصر النادرة ، و شملت الدراسات الميدانية ايضا الأطراف الشمالية لبحيرة قارون في الفيوم، وامتدادات السبخات الملحية من الفيوم مروراً بوادي النطرون وصولاً إلى سيوة، وهي بيئة مشابهة لـ “مثلث الليثيوم” الشهير في أمريكا الجنوبية (بوليفيا والأرجنتين وتشيلي).
ورغم أن مصر تعمل على تنفيذ المشروع القومي للمسح الجوي ، بهدف رسم خريطة دقيقة للمعادن الإستراتيجية والنادرة في مصر .. إلا أن السؤال المهم لماذا ركزنا في هذا المقال على رصد موضوع الليثيوم بالتحديد؟!
والإجابة باختصار لأن هناك اهتماما إقليميا وعالميا بالموضوع خاصة ، وعامة لأن هذه المعادن النادرة النفيسة تدخل في صناعات متقدمة، تعتبر هدفا مباشرا من قبل الدول والاقتصادات الكبرى، ويكفي القول أن الولايات المتحدة الأمريكية تحت رحمة الصين بسبب بعض المعادن النفيسة! التى تدخل في صناعات متقدمة ، خاصة الأسلحة والطائرات والمحركات، وقبل ذلك استغلت أمريكا وضع أوكرانيا في تنفيذ تعاقد تنازل عن معادن نفيسة في أوكرانيا!.
يأتى ذلك في الوقت الذي تهتم فيه الشراكات العالمية بزيادة مخصصات الاستثمار في الليثيوم والمعادن النادرة، وسبق ووقعت هيئة الثروة المعدنية المصرية مذكرات تفاهم وشراكات مع شركات عالمية منها شركة “إيني” الإيطالية لتحديد واكتشاف المعادن والخامات النادرة، وتنفيذ العمل بتكنولوجيات متطورة لاستخلاصها من الأراضي المصرية.
لكن المشكلة او التحدى الذى يواجه فرق البحث والاستكشاف أن استخراج هذا النوع من المعادن يحتاج تكنولوجيا متطورة، مع وضع خطة محكمة لمنع تصديره كخام، ومنع التعدين العشوائي نهائياً، علاوة على تقنين وتطوير القدرات في الاكتشاف والتصنيع المحلي من المعادن وفق خطة رقابة وقدرات اكتشاف وتصنيع عالمية، حتى تستطيع مصر تحويل الاستفادة من مجرد اكتشاف لمواد خام، إلى إنتاج يساهم في الصناعة وسلاسل الإمداد، وتدعم الاقتصاد المصري بثروة حقيقية.
أخيرا وليس آخرا فإن هدف مصر الاستراتيجي من موارد بأهمية الليثيوم ليس مجرد استخراج الليثيوم وتصديره كخام، بل تعظيم القيمة المضافة له، و امتلاك القدرة على التصنيع والمساهمة من ثروته (إن وجدت) في رؤية مصر للتحول الأخضر وتوطين الصناعة.
و يشهد الطلب العالمي على الليثيوم قفزات تاريخية لسبب أساسي وهو التحول الأخضر العالمي، خاصة في صناعة السيارات الكهربائية التى تحتاج إلى بطاريات الليثيوم، ولمشروعات تخزين الطاقة المتجددة خاصة في ظل التوسع لإنشاء محطات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، تبرز الحاجة إلى بطاريات عملاقة لتخزين الكهرباء، والليثيوم هو المكون الأساسي فيها.