أخبره الطبيب أن الصدمة العصبية قد صنعت له عالمًا موازيًا يهرب إليه. عالمًا أزرق بلا ضجيج. فابتسم وقال: “إذن أنا بخير، ما دمت أملك بحرًا.”
وكان كلما ضاقت به غرفته المستأجرة، أغمض عينيه ورسم بيتًا صغيرًا على حافة البحر، وشجرة وحيدة، وفتاة تجلس على صخرة ظهرها له. سماها “سَكَن” .
مر شهر، ثم شهر آخر، وهو يهرب إلى لوحته. حتى جاء اليوم الذي فتح فيه عينيه فوجد البحر قد تغير. كان الأزرق أعمق، والموج أعلى، والقارب الصغير على الشاطئ مقلوبًا. وفوق الرمال، بحروف مرتجفة كتبت كلمة واحدة: “ارجع”.
ما أشد وطأة الكلمة حين تكون أصغر من زهرة، وأثقل من جبل. فالإنسان المأزوم لا يخاف من الضجيج، إنما يخاف من الإشارة. من اللحظة التي يدرك فيها أن هروبه مراقب، وأن حلمه ليس ملكه وحده. لذلك صمت أسبوعًا كاملًا. منعوا عنه الفرشاة، فصار يرسم بعينيه. كلما أغمض جفنيه، عاد إلى اللوحة، لا بصفته صاحبها، بل بصفته طارئًا عليها.
سأل الفتاة: “أتعلمين بأمري؟” قالت: “إن البحر أخبرني أنك كنت راقدًا في بياض لا لون فيه لشهرين.” قال: “ومن كتب كلمة ارجع؟” فابتسمت ابتسامة من يعرف السر ولا يبيحه: “أنت. كتبتها بيدك المرتجفة قبل أن تستيقظ أول مرة. كتبتها لتنقذ نفسك مني، لا لتنقذني منك.”
وفي ليلة يأس، قرر أن يكسر السجن. فسرق مقصًا، وقطع البوستر منتصف البحر. فسكت الكون لحظة. ولما فتح عينيه، لم يجد سقف المستشفى الأبيض. وجد سقف غرفته المستأجرة، والبوستر ممزقًا على الجدار، والنافذة مشرعة يدخل منها هواء البحر الحقيقي، مالحًا، حيًا. وعلى الأرض بجواره، جالسة، تمسك بفرشاته… “سَكَن”. ثيابها تقطر ماءً.
رفعت وجهها إليه وقالت: “لقد نجحت. لقد أعدتني إلى العالم.” وحينها فقط فهم بهاء الحقيقة التي كانت تختبئ وراء الأزرق كله: إنه لم يكن يهرب من الواقع إلى الصورة، بل كان يغرق في واقعٍ لا يُطاق، وهي كانت ترسم له شاطئًا ليعود إليه.
أن تعود من الحلم إلى الواقع أهون من أن يعود الحلم إليك. فالواقع ثقيل، له قوانينه وفاتورته وإيجاره الشهري. أما الحلم فكان خفيفًا، بلا ظل.
وجد بهاء “سَكَن” جالسة على أرض غرفته. مبللة. حقيقية. تتنفس. لكنها كانت تنظر حولها كمن سقط فجأة من السماء إلى زحام. قالت له: “البحر هنا ضيق. وأسقفه منخفضة جدًا.” فأدرك بهاء للتو: أن إنقاذها كان يعني حبسها.
حاولت “سَكَن” أن تعيش. خرجت معه للسوق، فخافت من ضجيج السيارات. وقفت أمام البحر الحقيقي في الإسكندرية، فبكت. قالت: “بحرك كان أزرق لأنه كان بلا موج. وهذا البحر يضج ولا يفهم.”
وفي الليل، سألته وهي تنظر إلى الجدار الفارغ مكان البوستر الممزق: “لماذا أخرجتني؟” صمت. ثم قال: “لأنني كنت أغرق وحدي. ظننت أن وجودك سيخفف الغرق.” فأجابت: “لكنك نسيت أن الغرقى إذا أمسكوا ببعض، يغرقون أسرع.”
وفي ليلة مطر، اختفت الفرشاة من الغرفة. بحث عنها بهاء في كل مكان حتى وجدها في يد “سَكَن” وهي ترسم على بخار النافذة. كانت ترسم بوسترًا جديدًا. بوستر لغرفة بيضاء. سرير. سقف مرتفع.
سألها فزعًا: “ماذا تفعلين؟” قالت بهدوء لا يشبه أول مرة: “أرسم لك شاطئًا جديدًا يا بهاء. لأنك لا تستطيع العيش في عالمي… وأنا لا أستطيع العيش في عالمك.”
أكملت الرسم بآخر أنفاسها على الزجاج، ثم مسحت البخار بيدها. وفي اللحظة التي اختفت فيها الصورة، اختفت هي. ولم يبق في الغرفة إلا البلل، والفرشاة، وكلمة واحدة كتبتها على الزجاج قبل أن ترحل: ” حاول ان ترتاح”.