عبد الناصر البنا يكتب : وداعا .. أبو قراط !!

عبد الناصر البنا
فى ناس كتيرة تعرف إن المستشفيات الميرى الممتدة فى كافة ربوع مصر ، والمستشفيات العامة ، والجامعية ، وقصر العينى هى وسيلة العلاج الوحيدة للناس ( الغلابة ) أو الطبقة دون المتوسطة ، وأعتقد أن غالبية هؤلاء الناس يجهلون حقوقهم فى تلك المستشفيات ، سواء طريقة الكشف ، أو التعامل مع المريض ، وحتى المستشفى ومايجب أن تقدمه لهم من خدمات .
هؤلاء المرضى أصحاب الدخل أقل من المتوسط كل هم الواحد منهم أن يحصل على الخدمة الطبية حتى ولو حدث تجاوز ما لهذه الحقوق ، وهم لايعلموا أن من حقهم الشكوى ، وإن علموا فماذا تفيد الشكوى ؟
فهو يعلم بداية أنه لو إشتكى فلن يحصل على حقه ؛ وقد يحرم من الحصول على الخدمة الطبية ، ولذلك وجد البعض منهم فى وسائل التواصل الإجتماعى متنفسا لبث شكواه ، مع أن مثل هذا التصرف قد يوقعة فى دائرة التشهير التى يجرمها القانون .
ولو أنه وجد بابا للشكوى مفتوحا ، فالمطلوب منه أن يثبت مالحق به من ضرر ، وكما نعلم فإن أغلب التجاوزات التى تحدث فى المستشفيات الميرى يصعب بل يستحيل إثباتها أحيانا ، ولذلك يحجم الكثير عن تقديم شكواه حتى على فرض وجود قنوات شرعية للشكاوى ، وقد يحدث أحيانا أن تكون المرأة فى منتهى لحظات الضعف والوهن وهى فى حالة ” المخاض ” ، فإذا ماتعرضت لما يمكن أن نسميه إنتهاكا أو تجاوزا فى حق من حقوقها ، قد تعجز أحيانا أن تفصح عن معاناتها خشية أن يصيبها سوء أو مكروه .
أما واقع المستشفيات يجعلنا نلتمس بعض الأعذار لهؤلاء الأطباء ولفريق التمريض المتعامل مع المرضى بسبب كثرة أعداد المترددين على تلك المستشفيات ، وأعتقد أنك عندما تدخل مستشفى مريضا أو مرافقا لمريض تشعر بأن الأطباء والتمريض لديهم ” برود أعصاب ” غير طبيعى ،
هذا الاحساس يتسلل إليك للوهلة الأولى ، فتحدثك نفسك لماذا يتعامل معى بكل هذا البرود ؟ ، ولماذا لا يكون التعامل بالقدر الكافى من الإهتمام ؟ ، وأنت تأمل أنه كان ينبغى عليه أن يقف على أطراف أصابعه وهو يقدم لك الخدمة ، قد يكون السبب فى كل هذا الهدوء أنه إعتاد على رؤية حالتك وأصعب منها بصفة يومية ، ناهيك عن قلة أو ضعف الإمكانات التى عادة ماتقف عقبة فى آداء عمله ، وهو مايدفع الأهل أحيانا لشراء أبسط الأشياء كالقطن والشاش والأدوية من خارج المستشفى .
حالات كثيرة عاصرت أحدها لمريض ذهب شاكيا من بعض الأوجاع فأخبره الطبيب أن لديه قصور فى كليته الوحيدة ، ولابد من الحفاظ عليها بالكشف الدورى والتحاليل ، وكانت صدمته كبيرة عندما علم أنه بكليه واحدة ، وتذكر أن المرة الوحيدة فى حياته التى دخل فيها غرفة العمليات كانت عندما إستأصل الزائدة الدودية منذ 20 عاما ، وعن الإهمال فى قسم الطوارىء
لا يفوتنى فى هذا المقام إلا أن أترحم على إبن أخى الشاب إبن الـ33 عاما الذى راح ضحية الإهمال فى القصر العينى الفرنساوى بين تقاعس الأطباء والتمريض وروتين الدخول الذى إستغرق ساعات طويلة ، وتركه يعانى من تقص فى الهيموجلوبين وكيس الدم معلق على السرير ، ولم يكلف أحدا خاطره بوضعه فى الكانيولا المثبتة فى شريانه إلى أن توقف قلبه عن الخفقان .. ومات !! .
كانت هذه المقدمة الطويلة نسبيا لابد منها للحديث عن قضايا الفساد والإهمال التى لحقت بمستشفى الشاطبى فى مدينة الأسكندرية ، بعد أن ألقى القبض على الطبيبة أمنية سويدان وأخلى سبيلها بكفالة 20 الف جنية بعد شهادتها عن إنتهاكات بالمستشفى أصبحت ” تريندا ” على الـ Social Media مما أعطى الفرصة على طبق من ذهب لأصحاب الأجندات وأعداء الوطن فى الداخل والخارج لدق مسمار جديد يفت من عضد الدولة المصرية ،
شهادة طبيبة الامتياز التى أخلت النيابة العامة سبيلها ما كان ينبغى أن تمر مرور الكرام ، وكان لابد لنقابة الأطباء ، وكلية الطب أن تفتحا تحقيقا عاجلا وشفافا تستدعى فيه كافة الأطراف الوارد ذكرها لمواجهتها قبل أن يصدرا بيانهما ، بل أنه كان يتحتم على هاتين الجهتين بداية أن لا ينتظرا وقوع مخالفة حتى يتم التحقيق فيها ،
فأين الرقابة والمتابعة ؟
اللافت للنظر فى تلك البيانات أنه ليس لدى الطبيبة أدلة تثبت صحة كلامها ، وأن النقابة لم تتلق أيه شكاوى عن وقائع مماثلة .
والسؤال هنا : هل كان ينبغى علي الطبيبة أن تقوم بتوثيق ما رأته حتى تدلل على صدق كلامها ، لقد سردت الطبيبة وقائع بعينها لحالات تعرضت للإنتهاك ، وهناك آلاف ممن خرجوا إلى الرأى العام ليسردوا وقائع مماثلة يندى لها الجبين ، ويجب أن يتم التحقيق فيها . فى الوقت الذى يصعب فيه على أرض الواقع إثبات أن هناك إهمال أو تقصير . وهناك حقيقة راسخة فى الأذهان أن الاطباء لايخطئون ، رغم أن الخطأ وارد طالما كان هناك عنصر بشرى ، ولعل ذلك يذكرنى بالطرفة التى تساق أن طبيبا أجرى عملية جراحية لأحد المرضى وخرج على أهل المريض من غرفة العمليات ، وأقسم لهم أن العملية نجحت 100% ولكن المريض من الفرحة .. مات !!
السؤال الذى يجب أن نسأل عنه فى قضية مستشفى الشاطبى التى شغلت الرأى العام فى مصر هو :
لماذا تحدث أطباء الامتياز فى هذا التوقيت الذى جاء عقب صدور قرار رئيس الجامعة بمنع أطباء الامتياز من دخول غرف العمليات وملحقاتها ، هذا القرار المفاجىء من رئيس الجامعة يثير العديد من علامات الاستفهام التى تبحث عن إجابة . ماهى الأسباب التى دفعته لإتخاذ هذا القرار ؟
ماحدث فى مستشفى الشاطبى والمداخلات الصادمة من بعض المتضررات فى وسائل الاعلام المرئيــــة وغيرها ، دفع بعض النشطاء لعمل تقارير عن الحالات التى تعرضت لإيذاء أو إنتهاك فى المستشفى سالفة الذكر ، بعد أن تسابقت وسائل الاعلام فى الحصول على سبق ، بالقدر الذى أفقد ماتبقى من ثقة فى المستشفيات الحكومية ، ويوحى أن الفساد هو الأصل .
لكن الشىء المؤكد أن ماحدث هو شىء صحى ومفيد .. أولا : كونه يرفع ثقافة الوعى والدعم النفسى للشاكى ، والوقوف إلى جانبة لكى تصل شكواه ويحصل على حقوقه . وثانيا : أن ذلك سوف ينعكس إيجابيا على مستوى الخدمات الطبية التى تقدم للمرضى فى هذه المستشفيات .. حفظ الله مصر .
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.