” كاميرا نيكون عتيقة” .. قصة قصيرة للإعلامي محمود عبد السلام

قدماه العريضتان تتركان الأثر بعد الأثر على رمال شاطئ ميامي الساخنة، وكلما خطا خطوة إلى الأمام، جاءت الأمواج المندفعة تمحو أثره سريعاً من على الارض.
منذ كان طفلاً وهو يقطع الشاطئ المقابل للصخرة من أوله إلى آخره عشرات المرات. ماتت أمه وهو في السادسة، فلم يجد أبوه بدّاً من اصطحابه يومياً إلى العمل. يوقظه مع النسمات الأولى للفجر، يستقلان الترام من الأنفوشي حتى محطة الرمل، ثم حافلة أخرى توصلهما إلى البحر.
على الرمال، ووسط الأمواج، يمسكه أبوه بيد، وبالأخرى كاميرا نيكون عتيقة، مهنة توارثها عن أجداده منذ اختراع التصوير. آلاف الصور التقطتها تلك الكاميرا، أكثرها سلّمها لأصحابها، وبعضها نُسي في زوايا معمل التحميض الصغير، في مطبخ شقتهما الضيقة. اعتاد منذ صغره على رائحة الأحماض ولون الإضاءة القرمزي. وفي الليالي الشتائية الطويلة ينسلّ من فراشه بجوار أبيه، يخرج الصور القديمة، يتأملها. بعضها اصفرّ لونه، وبعضها تأكلت أطرافه. وكان يسأل نفسه: أين هؤلاء الناس الآن؟ ولماذا يبتسمون جميعاً؟ وهل ما زالت البسمة على الوجوه أم تبدّلت دمعاً؟
تقدّم أبوه في العمر ثم رقد فى مرضه الأخير، وقبل أن يرحل ترك له إرثه: رمالاً وأمواجاً على شاطئ ميامي، وكاميرا نيكون عتيقة، ونصف معمل ونصف مطبخ . فصبغت الشمس وجهه بسمرة مشوبة بحمرة لامعة، واعتاد ارتداء نظارة رخيصة وقبعة بيضاء، يجوب بهما الشاطئ ذهاباً وإياباً طوال النهار، يلتقط صور المصطافين. ينظر في العدسة ويطلب الابتسامة، وكان يميّز بخبرته الابتسامة المصطنعة من الحقيقية، وأكثر ما كان يزعجه كثرة الأقنعة المرسومة على الوجوه.
كل يوم عند الغروب يتوقف عن العمل، ينزوي في ركن قصيّ يتابع نزول الشمس إلى الماء. عيناه لا تفارقان الصخرة الراسية قبالة الشاطئ، تلك التي تضاءل حجمها في عينيه عاماً بعد عام. كان يأتي إليها طفلاً فتبدو له كجبل، واليوم صارت عجوزاً أنهكها العناد. لم يكن الموج يهدمها، بل كان ينحتها بصبر، يأخذ منها ذرّة ذرّة دون ضجيج، حتى صارت هي وهو وجهين لعملة واحدة: كلاهما يتضائل في صمت، وكلاهما يحتفظ في داخله بما لا يُرى.
ومع أول خيوط الليل يعود إلى بيته. في الطريق يلتقط بعدساته ما تغيّر دون أن يُصرّح. واجهات تلمع مكان أخر بهت، خطوات أسرع تحلّ محل خطوات أبطأ، وظلال جديدة تسقط على رصيف كان بالأمس مكشوفاً للسماء. لم يقل يوماً إن المدينة تتبدّل، بل كانت عدسته تقول ذلك نيابة عنه.
وفي ليلة من ليالي الشتاء، والموج أشدّ عتوّاً ، وقف حلمي أمام الصخرة طويلاً. رفع الكاميرا العتيقة، وضيّق عينيه الرماديتين كما علّمه أبوه. لم يطلب من البحر أن يضحك. فقط انتظر حتى أت موجة عالية فضربت الصخرة، وتطاير الرذاذ فغطّى العدسة بضباب أبيض. ضغط على الزرار.
عاد إلى معمله، وفي ضوء قرمزي خافت ظهرت الصورة: بياض ساطع، لا ملامح فيه ولا تفاصيل. ابتلع الملح كل شيء. تأملها طويلاً ثم همس: “هكذا إذن… ما لا يُمحى من الرمال، يمحوه البحر من الورق”.
ومن يومها وضع الكاميرا جانباً. صار يجلس كل مغيب على الرمل الممسوح، لا أثر لقدميه ولا أثر لغيره، يصغي إلى صوت يأخذ ولا يردّ، إلى صخرة تنقص بلا أنين، وإلى عمر يمضي بلا استئذان.