محمد نبيل محمد يكتب : الصورة الذهنية لنصر أكتوبر وهزيمة كيبور ( 33 )

جولدا تعترف بالهزيمة وتتنصل من مسئوليتها عنها وتلصقها بوزير الدفاع

الكاتب محمد نبيل
” أنت لست مسئولة، فأنت لست وزير الدفاع”..هكذا قال وزير العدل يعقوب شمشون شابيرو لجولدا عندما طالبها بإقالة موشيه دايان، وهى تقول عنه:”ولا أظن أننى سوف أنسى غضبى عليه لأنه اختار تقديم الطلب فى ذروة الأزمة التى سبقت وقف إطلاق النار الثانى”وتستطرد عن سوء نيته وتعمده إغضابها، والقصد بالإساءة لوزير الدفاع:”ولأنه قدم الطلب هذا فى إجتماع كان يعلم أن الصحافة سوف تلتقطه منه فيه”.. يالها من “داهية سياسية” هذه “العجوز اللئيم” ترسل ببرقية مختصرة لمن سيقرأ مذكراتها واعترافاتها فيما بعد، بأن عليهم الرجوع للصحافة عن ذلك اليوم للتأكد من صدق ما سردته، ودقة ما وصفته عن هجوم الوزراء على وزير الدفاع لا عليها، وطلبهم منها اقالته،وتقدم الدليل الدامغ على عدم نقض أعضاء حكومتها لها أو معاتبتها على الهزيمة ـ فمن وجهة نظرهم التى هى تستعرضها ـ لأنها غير مسئولة عن الهزيمة لأنها ليست وزير الدفاع، وتطرح هذا المبرر على لسان وزرائها، ومنهم وزير العدل شمشون، وتوثق ذلك الإعتراف بما تنشره الصحف عن ذلك الحدث بتاريخه “وقف اطلاق النار الثانى”!.
وتستشهد جولدا فى اعترافها بالهزيمة التى لم تكن مسئولة عنها بشهادات كل من قابلهم شمشون وزير العدل:”وكأنه لم يكتف بذلك، فقد أبلغنى أنه أخذ يطوف بالمجموعات الموجودة فى مطعم الكنيست ليبلغهم بما فعله”..ما أدهاك إمرأة(!) جولدا توثق شهادات وزير العدل، والجميع من أعضاء الكينست، ومن قبلهم الصحافة العبرية تجاه “صنم” وحيد يجب هدمه وهو المسئول عن الهزيمة هو:”موشيه دايان” وزير جيش الدفاع!.
ونزولا على رغبة وزير العدل فقد طلبت منه أن يحضر لمكتبها:”وقال لى، حيث إننى أعلم أنك لم تطلبى من دايان
الخروج من الوزارة، فقد جئت لكى أقدم استقالتى”..هى هنا توثق حالة المفارقة بين إقالة وزير الدفاع “موشيه دايان”
لتسببه فى الهزيمة ونزولا عن رغبات الوزراء والكنيست، وبين قبول استقالة أحد الوزراء “وزير العدل” يعقوب شمشون
شابيرو الذى كل ذنبه أنه يطالب بعدالة ناجزة فى محاسبة المسئول الوحيد عن الـ”الهزيمة” وإمعانا فى إلصاق
الهزيمة بموشيه وليست هى معه كشريكة فى صناعتها أو مسئوليتها، وهى ـ هنا ـ تعرض وجهة نظر وزير العدل ـ
الممثل للحق والعدل داخل المجتمع العبرى ـ فقد سألته:”لماذا لا تطالبنى بالاستقالة؟ فأنا رئيسة الوزراء، وهنا أجاب
شابيرو بقوله(انت لست مسئولة، فأنت لست وزير الدفاع”.. لخصت جولدا الحال كله، “الهزيمة” مُعترف بها، ولا
تستطيع أن تواريها عن الواقع والتاريخ، ولكن “المسئولية” عن الهزيمة لم تكن جولدا شريكا فيها، بل اختارت من بين
الأصوات المحتجة الرسمية والحزبية والإعلامية والشعبية فقط صوت وزير العدل (!) فهو يَجُب الجميع برأيه القانونى
وموقعه “العدل” المُمَثل لجميع أصوات المجتمع، نعم، جولدا تعترف بالهزيمة، وأيضا تنكر بل وتتنصل من مسئوليتها
عنها، ولا مانع لديها من محاكمة التاريخ لوزير الدفاع وحده، فقد يحفظ ذلك بعضا من هالة البطولة القومية حول
شخصية جولدا.
ولا مانع من تبرير الحديث عن إقالة وزير الدفاع وقت الحرب، وحتى لا يلومها أحد ممن يحترفون السياسية ويعتقدون
فى الفكر الاستراتيجى فقد لا يجوز هذا الإجراء وقت الحرب وخاصة مع بطل قومى لليهود مثل “موشيه” فموقد
دافعت جولدا عن الحديث عن إقالة وزير الدفاع فى هذا التوقيت وجعلت دفاعها على لسان وزير العدل ـ أيضا ـ فقد
نشرت ووثقت سؤاله عن ذلك الموقف:”أردت أن أعرف لماذا إختار هذا اليوم بالذات؟ فأجابنى، قائلًا: حسن، لأن هذا
هو يوم وقف إطلاق النار”..تُقدم جولدا الدليل على لسان وزير العدل فى إجابته لمبرر من اختيارها هى شخصيا وليس
ـ الكومبارس ـ وزير العدل الذى كان دوره ـ فقط ـ ترديد ما تحب جولدا أن تُسمِعَهُ للتاريخ(!) والكثير من مرارة الإعتراف
سيأتى ذكره تاليًا إن شاء الله.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.