الكاتب الصحفي محمد العزيزي يكتب: المجتمع في اختبار ” القانون” !

الكاتب الصحفي محمد العزيزي
إذا غاب القانون في عز النهار، وفي أماكن راقية ومزدحمة، فكيف يكون الحال في غيرها من الأماكن الأقل حظًا من الرقابة؟ وكيف يكون المشهد في ساعات الليل حين يقل الشهود ويزداد الخوف؟
سؤال مشروع يفرض نفسه كلما تابع الرأي العام واقعة جديدة تضرب هيبة القانون في مقتل وتفتح الباب أمام ما يمكن وصفه بـ ” قانون القوة “، ذلك القانون الموازي الذي يحاول البعض فرضه بالمال أو النفوذ أو البلطجة أو استعراض القوة!
المشكلة هنا ليست في واقعة فردية يمكن احتواؤها أو إخضاعها للقانون والحساب، وإنما في تكرار مشاهد تترك انطباعًا خطيرًا لدى المواطن البسيط : هل ما زالت قوة القانون هي الحاكمة فعلًا؟ أم أن هناك من يعتقد أنه يستطيع صناعة قانونه الخاص وفرضه على الآخرين؟
لا توجد دولة قانون تقبل أن يتحول الخوف إلى أسلوب حياة أو أن يشعر المواطن بأن حقوقه قد تضيع إذا كان الطرف الآخر أكثر مالًا أو نفوذًا أو قدرة على استئجار من يفرضون السطوة والترهيب.
فالدولة الحديثة لا تُقاس فقط بحجم الإنجاز العمراني أو الاقتصادي، وإنما أيضًا بقدرتها على حماية الضعيف قبل القوي، وضمان أن يشعر الجميع بأن القانون يسري على الكبير والصغير، الغني والفقير، صاحب السلطة قبل المواطن العادي.
ورغم ما تبذله أجهزة الأمن من جهود محسوسة ومقدّرة في مواجهة كثير من هذه الظواهر، فإن وجود بعض النماذج التي تستعرض القوة أو تفرض الهيمنة يطرح أسئلة مشروعة تنتظر إجابات واضحة يشعر بها المواطن في حياته اليومية لا في التصريحات فقط !
هل تتم مراجعة ظاهرة “البودي جاردات” التي تمددت لدى بعض أصحاب المال أو الباحثين عن وجاهة اجتماعية زائفة، حتى بات بعضهم مصدر خوف حقيقي للناس، خصوصًا حين يتحول هؤلاء إلى أداة ضغط أو ترهيب في الخلافات والمنازعات؟
هل توجد رقابة صارمة على من يحملون السلاح ويعملون كحراس أمن لدى أفراد؟ وهل هناك متابعة دقيقة تضمن ألا يتحول السلاح من أداة حماية إلى وسيلة تخويف أو اعتداء؟
هل يجوز أن يمتلك البعض القدرة على فرض سطوته بالمال فيستأجر من يهدد أو يروع أو يعتدي أو يخرب، بينما يقف المواطن البسيط عاجزًا لا يملك إلا الخوف؟
وهل اختفت بالفعل ثقافة: “أنت عارف أنا مين؟” أم أنها ما زالت حاضرة بأشكال مختلفة تحمل في مضمونها رسالة واحدة تقول أن النفوذ أحيانًا قد يعلو على الحق؟
هذه الأسئلة لا يطرحها كاتب أو إعلامي فقط وإنما يطرحها قطاع واسع من الناس كلما سمعوا عن واقعة جديدة يشعرون معها أن قانون القوة يحاول أن يجد لنفسه موضع قدم في المجتمع
الفارق بين قوة القانون وقانون القوة ليس فارقًا لغويًا، بل فارق بين مجتمع يشعر أفراده بالأمان والانتماء والثقة، ومجتمع يبدأ فيه الضعيف بالبحث عن حماية خارج القانون لأنه لم يعد واثقًا أن حقه سيعود بالقانون وحده.
والأخطر من ذلك أن انتشار الإحساس بقانون القوة لا يهدد الضحية فقط بل يهدد المجتمع كله لأن البعض قد يبدأ في تقليد النموذج ذاته فيبحث عن ” ظهر” أو نفوذ أو حماية موازية ، وهنا يتحول الاستثناء إلى ظاهرة، ويتحول الخلل الفردي إلى ثقافة تهدد السلام الاجتماعي من جذوره!
إن قوة الدولة الحقيقية لا تظهر فقط في العقاب بعد وقوع الجريمة بل في شعور المواطن مسبقًا أن القانون حاضر.. عادل.. وقادر على حماية الجميع بلا تمييز.
فإذا أردنا الحفاظ على أمن المجتمع وسلامه الأهلي، فلا بد أن تبقى قوة القانون أعلى من أي محاولة لصناعة قانون القوة.. لأن المجتمعات لا تنهار دفعة واحدة، لكنها تبدأ في التآكل حين يشعر الضعيف أن القانون لم يعد كافيًا لحمايته!
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.