محمد نبيل محمد يكتب : جولدا : “كان موشيه دايان هو قلب العاصفة”

“وقد جاء أول طلب صريح باستقالته”..هل يُعتقد أن يستقيل وزير دفاع جيش منتصر؟! وماذا يعنى تقديم وزراء الحكومة عن الأحزاب المعارضة بطلب “صريح”بإقالة وزير الدفاع موشيه دايان؟ الإجابة ـ لاشك ـ عندك عزيزى القارىء المصرى أو العربى، وكذلك تتفق والمنطق ـ البسيط ـ ومع أقل مجهود لإعمال العقل لديك أيها القارىء العبرى أوالغربى، فلا قائد منتصر يسعى للاستقالة، ولا وزير دفاع تُطلب إقالته لكونه حقق نصرًا ولو بسيط قد يشفع له ويحفظ له ماء وجه وكرامته العسكرية، بل الأصح أن موشيه دايان قد هُزم وإنهزم معه جيش الدفاع “الجيش الذى لا يُقهر”وأهينت كرامتهما العسكرية تحت أقدام المصريين عندما امتطوا خط حاييم بارليف، لذا كان رد الفعل الطبيعى والمساوى ـ نوعا ـ لحجم الكارثة هو إقالة موشيه دايان إن لم يستجمع قواه لتقديم استقالته بنفسه، وربما كان فى اختيار مفردة “العاصفة” بل و”قلبها” لهو من الدقة فى الوصف، والإيجاز فى التعبير لحال المجتمع العبرى وحكومته تجاه وزير الدفاع موشيه دايان، فتعترف جولدا:”كان موشيه فى قلب العاصفة”..وهى ـ جولدا ـ هنا تذهب نحو توثيق حال الهزيمة وإلصاقها ـ تاريخيًا ـ بوزير جيش الدفاع، فالمرأة رغم تلبّسها حالة ـ نادرة ـ من صدق الإعتراف بالهزيمة، إلا إنها تعلم جيدًا أن شهادتها تلك للتاريخ سوف يتناولها القادمون بالنقد والتحليل والمراجعة والحساب، فالتاريخ لا يرحم احد، وهنا أرى أن جولدا قد أبعدت نفسها ـ عن النيل منها ـ من بؤرة الإحتجاجات والمطالبات السياسية من الأحزاب ومن عموم طوائف الشعب اليهودى، وقد اقتصرت وركزت مجهودها الرئيسى فى الزج بوزير جيش الدفاع منفردًا فى مواجهة عاصفة الحساب والمراجعة، فقد أوجزت فى تعبيرها “دايان هو قلب العاصفة” وتترك للتاريخ توثيقها بالإعتراف بهزيمة المسئول عنها وزير جيش الدفاع “موشيه دايان”.
“أنت لست مسئولة، فأنت لست وزير الدفاع”..تسترسل جولدا بدهاء السياسية المُحنكة والمُتدربة على يد المؤسس “ديفيد بن جوريون” وتأخذ فى تفنيد حجج عدم مسئوليتها عن الهزيمة، بسرديات تبدو من الوهلة الأولى أنها فى إطار سياق الاعتراف العام، إنما المُدقق فى إنتقاء جولدا لمفرداتها، بل واختيارها لمواقف دون أخرى لوصف حالة الرفض العام من جانب الحكومة والأحزاب وطوائف المجتمع العبرى، يجدها تعترف بهم الهزيمة كحالة آلت إليها الدولة العبرية وهى كواحدة من أفراد شعبها تعانى ـ مثلهم ـ من مرارة الهزيمة، لكنها فى ذات الإعتراف تزيح عنها سببية الهزيمة تجاه شخص وحيد بعينه، وهو “موشيه دايان” فتنتقى جولدا من مواقف الرفض العام عليها بصفتها رئيس الوزراء، فقط محاولات الهجوم عليها من جانب أهالى القتلى والأسرى والجرحى والمرضى النفسيين، ومن جانب الأحزاب ووزرائهم فى الحكومة ما يركز على علاقاتها بموشيه دايان التى جعلتها مصدر ألم نفسى لها بسبب اللوم الجارح من جانب الوزراء وأعضاء الكنيست، فنراها تضمن اعترافها بموقف لا ينال منها قدر ماهو يوجه الأنظار ـ توثيقا بالإعتراف وشهادة للتاريخ ـ نحو وزير جيش الدفاع “موشيه دايان” فتصف تفاصيل موقف بعينه، وتجعله مشابها لكافة المواقف التى تعرضت لها، وتعترف:”وقد جاء أول طلب صريح باستقالته”..وتستطرد”على ما أذكر، من أحد وزراء الحكومة وهو يعقوب شمشون وزير الدفاع”..ومن المؤكد أن جولدا حينما عزمت توثيق اعترافاتها نحو هزيمة كيبور كانت قد أعدت عدتها كاملة وشحذت جهوزيتها لمواجهة التاريخ بكل ما أوتيت من قوة، فلا يقبل العقل أن تسرد تفاصيل سفرياتها لواشنطن باليوم والتاريخ وتفاصيل الأحداث، بل وتصف خفايا مشاعر ونوايا نيكسون ووزير خارجيته الذى تحدثت عن قدرته الفائقة ـ كأنه شباب ـ على تذكر تفاصيل جغرافية جبل الشيخ ومرتفعات الجولان، وغيرها من التفاصيل الدقيقة بالدقيقة والساعة واليوم والأسماء ووصف الحالات الظاهرة والباطنة لجميع الشخصيات الواردة فى اعترفاتها ثم تأتى وتقول :”على ما أذكر” المرأة تُسيس خبثها السياسى لتبدو وأنها لم تتعمد الزج باسم موشيه فى قلب العاصفة، كما أنها تبدو ـ اصطناعا متعمدا ـ لم تتذكر اسم الوزير الذى هو عضو بحكومتها وقت الهزيمة والتى اجتمعت معهم عشرات المرات على مدار شهر اكتوبر ونوفمبر فقط، وهى تبدو متناسية أسمه، وتسوّق لفكرة عدم التعمد فى الزج بموشيه منفردا فى قلب العاصفة، بل هو قلب العاصة ذاتها، ما يعطى دليلا دامغًا على مرارة الهزيمة التى تحاول جولدا رغم اعترافها بها من التنصل من أسبابها، والكثير من مرارة الإعتراف سيأتى ذكره تاليًا إن شاء الله.