الكاتب الصحفي عبدالرازق توفيق : المواطن وبناء الوعى.. فى زمن المؤامرات والمخططات (٣ ــ ٣)

الخطوة الأولى فى بناء الوعى الحقيقى فى زمن المخططات والمؤامرات هى المواطن، لأنه الهدف والغاية، والسلاح الأخطر فى المواجهة والعامل الحاسم فى الحفاظ على الأوطان، فالمواطن هو مقياس النجاح فى عملية بناء الوعي، والترمومتر هنا فى درجة الاصطفاف، ومدى الاستجابة لحملات مسعورة من الأكاذيب والشائعات والتشويه والتشكيك والتحريض الممنهج والمتواصل وهو ما نجح فيه الشعب المصرى بامتياز، وحافظ على وطنه فى أصعب الظروف.
لا بناء لوعى حقيقى دون اعتبارات واضحة ومباشرة، أبرزها تخفيف المعاناة واتاحة المعيشة الميسرة، وعدم تحميل المواطن فوق قدرته وطاقته، والحفاظ على الطبقة المتوسطة، لأنها عصب التقدم وركيزة المجتمع ودعم ومساندة الفئات الأكثر احتياجًا، والوفاء بالوعود، والالتزام بالتوقيتات قدر المستطاع حتى يشعر المواطن بأن هناك أملاً، فهو ليس معنيًا بالمؤشرات والنجاحات والإنجازات إذا لم تنعكس على مستوى حياته وقدرته الشرائية ومقدار دخله، ولذلك لابد من تحديد مدى وأفق لانتهاء المعاناة، والصعوبات خاصة فيما يتعلق بارتفاع الأسعار وحالة الغلاء التى أدت إلى معاناة المواطن، وأيضا لابد من اخفاء النماذج التى تستفز الناس والتصدى للجشع والمغالاة والانتهازية والتضارب فى الأسعار، وضبط الأسواق فالمواطن يجد نفسه أمام حالة من عدم القدرة على مجاراة أسعار اللحوم، والفواكه، ومتطلبات ونفقات الحياة، خاصة أن قوته الشرائية ضعفت لذلك لابد أن تسارع الحكومة بطمأنة الناس، ووضع جدول زمنى لانتهاء المعاناة وألا تترك المواطنين يعيشون فى ضبابية مستقبل الأسعار والمعاناة أمامها، مع عدم تكافؤ الدخل، والأسعار وأن تكون هناك إجراءات جادة وحازمة وحاسمة يراها المواطن على أرض الواقع حيال المغالاة والجشع والتلاعب فى الأسعار.. فالمواطن يسعد ويفرح بما يتحقق من إنجازات ومشروعات عملاقة وغير مسبوقة لكنه فى ذات الوقت لم يحصد ثمارها، بسبب جشع التجار وتداعيات الأزمات والصراعات الإقليمية والدولية المتلاحقة، لكن بطبيعة الحال هناك إجراءات ووسائل لتخفيف المعاناة لأنه كلما انخفضت المعاناة، زاد وارتفع النجاح فى بناء الوعي، وبطبيعة الحال ليس شرطًا، خاصة فى ظل التحديات والتهديدات الوجودية التى يحتشد أمامها الشعب والتى تهدد وطنه لذلك تجد لديه استعداد بلا حدود للتضحية والتحمل، وهو ما يدركه المصريون جيدًا، لكن اتحدث هنا عن عدم الانتباه إلى ضرورة الاسراع فى انعكاس الثمار على المواطن، وأن يحصد النجاحات والإنجازات وتترجم على حياته.
لا شك، ولا ينكر ذلك إلا جاحد أو أعمى فإن الدولة المصرية تواجه تحديات وتهديدات ومؤامرات ومخططات ومتغيرات واضطرابات إقليمية حادة وأزمات دولية لها تداعياتها ما بين حدود ملتهبة، غربًا وجنوبًا وشرقًا فمازالت ليبيا تعانى الانقسام، وتمكنت منها فوضى الربيع العبرى فى إحداث فرقة وتعمل مصر على توحيد الصف، وإعلاء المصلحة الوطنية الليبية والاحتكام لإرادة الليبيين وطرد المرتزقة والميليشيات الإرهابية، ورفض قاطع للتدخلات والقوات الأجنبية، كما أن السودان يواجه مؤامرة خطيرة تسعى لتقسيمه واسقاطه وإخراجه من المعادلة وهو جزء لا يتجزأ من منظومة الأمن القومى المصري، وشرقًا تواجه مصر بحسم مخطط التهجير الصهيونى ومحاولات ابتلاع الأراضى والحقوق المشروعة للفلسطينيين، أيضا تداعيات العدوان الصهيونى على قطاع غزة وتأثيراتها على باب المندب وتداعياتها على الاقتصاد المصري، وأيضا محاولات صهيونية بأيادى اثيوبية من السيطرة على البحر الأحمر وترتيبات مغايرة لرؤية وإرادة وأمن الدول المتشاطئة التى أعلنت مصر بوضوح أن حماية أمن البحر الأحمر وهو شأن الدول المتشاطئة عليه، وأثيوبيا لا تتحرك من نفسها أو لايجاد منفذ بحرى تجارى ولكن طبقًا لمخطط «صهيو ــ أمريكى» تسعى إلى إنشاء قاعدة عسكرية فى مدخل البحر الأحمر وبالتالى العبث فى مقدرات وأمن الدول المتشاطئة والتحكم والسيطرة على حركة الملاحة وهو ما يهدد مستقبل قناة السويس، إسرائيل من خلال أثيوبيا، وأوهامها وما تقوم به دولة الاحتلال من خروج صارخ على القانون الدولى وسيادة الدولة الصومالية نجده فى دعمها للإقليم الانفصالى صومالى لاند ليس إلا سعيًا بائسًا لتحقيق أوهام الكيان الصهيوني.
مصر أيضا تتحمل فواتير باهظة وتكلفة عالية لحماية أمنها القومى ومصالحها ومقدراتها وتواجدها فى امتدادات أمنها القومى واستعادتها لدورها ووجودها وقيادتها الإفريقية وهو وجود يمس مصالحها ومقدراتها الوجودية هذا يحتاج كلفة كبيرة يتحملها الاقتصاد المصرى فى ظل وجود مخططات تعمل على الإرباك والاستنزاف ولولا صبر وحكمة القيادة السياسية فى التعامل مع هذه التحديات والتهديدات والمخططات ما كانت مصر فى هذا الموقف والوضع القوى والمسيطر فالتحركات المصرية، تجرى بعبقرية، تجهض المخططات والمؤامرات من خلال التواجد والاقتراب من هذه التهديدات وبات المتآمرون يصرخون من عبقرية الدولة المصرية.
ولأن الدولة المصرية تخوض هذه المعارك الوجودية الكثيرة فى اتجاهات جديدة فإن حديثى الذى يركز على الاهتمام بالمواطن والتخفيف عنه وردع الجشع والمغالاة فإن حديث الحريص على دعم أهم سلاح يشارك فى معركة الوعى والاصطفاف وهو المواطن الذى يجب أن يكون أهم أولويات الحكومة وليس هدفًا لمزيد من الضغوط.
تحيا مصر