أصبح مشهد الموتوسيكل في الشارع المصري جزءًا من الحياة اليومية. تراه في المدن والقرى، على الطرق السريعة وبين الأزقة الضيقة، حتى تحول من وسيلة مواصلات بسيطة إلى رفيق دائم لملايين المواطنين. لكن خلف هذا الانتشار الواسع تختبئ حقيقة مؤلمة؛ فالموتوسيكل أصبح أحد أبرز أسباب الحوادث التي تحصد أرواح الشباب في مصر.
لم تعد المأساة مقتصرة على محافظة أو منطقة بعينها. فمن الإسكندرية إلى أسوان، تتكرر الأخبار ذاتها: شاب في مقتبل العمر فقد حياته، وآخر أصيب بعاهة مستديمة، وأسرة تحولت أفراحها إلى أحزان بسبب لحظة تهور أو خطأ على الطريق.
المشكلة ليست في الموتوسيكل نفسه، فهو وسيلة نقل مهمة واقتصادية وسريعة، بل في طريقة استخدامه. فالسرعة الزائدة أصبحت لدى البعض نوعًا من الاستعراض، والسير عكس الاتجاه تحول إلى سلوك معتاد، وعدم ارتداء الخوذة الواقية يُنظر إليه وكأنه أمر عادي، بينما يدفع الضحايا الثمن من أعمارهم وصحتهم ومستقبلهم.
ويزيد من خطورة الأزمة انتشار الدراجات النارية غير المرخصة، وقيادة الأطفال والقاصرين لها دون تدريب أو تأهيل، فضلاً عن غياب الوعي المروري لدى شريحة ليست قليلة من المستخدمين. كما أن بعض الطرق تفتقر إلى عوامل الأمان الأساسية من إضاءة وإشارات وتحذيرات واضحة.
والسؤال الذي يفرض نفسه: كم شابًا يجب أن نفقد حتى ندرك أن الأمر لم يعد مجرد حوادث متفرقة، بل أزمة مجتمعية حقيقية؟
إن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب تحركًا جادًا من جميع الأطراف. فالدولة مطالبة بتشديد الرقابة على المخالفات الخطيرة، ومصادرة الدراجات غير المرخصة، وتطوير الطرق الأكثر خطورة. كما أن وسائل الإعلام والمدارس ومراكز الشباب مطالبة بدور أكبر في نشر ثقافة السلامة المرورية.
أما الأسرة، فعليها مسؤولية لا تقل أهمية. فشراء موتوسيكل لطفل أو مراهق غير مؤهل للقيادة ليس تعبيرًا عن الحب أو الثقة، بل قد يكون قرارًا يضع حياته وحياة الآخرين في خطر.
إن أرواح الشباب ليست أرقامًا تُضاف إلى إحصاءات الحوادث، بل أحلام ومستقبل وأسر كاملة تتأثر بفقدانهم. ولذلك فإن التعامل مع أزمة حوادث الموتوسيكلات يجب أن يكون أولوية وطنية، لأن الحفاظ على حياة الإنسان هو الاستثمار الحقيقي الذي لا يضاهيه أي استثمار آخر.
لقد آن الأوان لأن ننظر إلى الموتوسيكل باعتباره مسؤولية قبل أن يكون وسيلة مواصلات، وأن ندرك أن دقيقة من الالتزام بقواعد المرور قد تنقذ عمرًا بأكمله.
ناصر النوبى