الإعلامية دينا ياسين تكتب: ضل حيطة

كثيرًا ما ترددت على ألسنة الناس عبارة “ضل راجل ولا ضل حيطة”، وكأن وجود أي رجل في حياة المرأة، مهما كانت طبيعة هذا الوجود أو جودته، أفضل من أن تكون بمفردها. ومع مرور الزمن أصبحت هذه الجملة بالنسبة للبعض حقيقة لا تقبل النقاش، بينما أثبتت الحياة في كثير من المواقف أن الأمر ليس بهذه البساطة،
وأن ضل الحيطة أحيانًا يكون أرحم وأكرم وأكثر أمانًا من ضل شخص لا يعرف معنى الاحتواء أو الاحترام أو المسؤولية. فالإنسان لا يحتاج إلى مجرد وجود أحد بجواره، بل يحتاج إلى وجود يضيف إلى حياته قيمة حقيقية.
ما فائدة الرفقة إذا كانت مصدرًا للألم؟ وما قيمة العلاقة إذا كانت تستنزف المشاعر والثقة والطمأنينة؟ إن الوحدة قد تكون صعبة أحيانًا، لكنها تبقى أخف وطأة من علاقة يشعر فيها الإنسان بالغربة وهو بين ذراعي من يفترض أنه أقرب الناس إليه.
ضل الحيطة لا يكذب ولا يخون ولا يقلل من شأن أحد
كم من امرأة عاشت تحت سقف واحد مع رجل لم يمنحها سوى القسوة والتجاهل والإهانة، وكم من امرأة فضلت أن تعتمد على نفسها
وتحمل مسؤولية حياتها كاملة، فوجدت في استقلالها راحة وكرامة افتقدتهما في علاقة استمرت سنوات.
لذلك لا يمكن اختصار مصير الإنسان في فكرة أن أي وجود أفضل من عدمه، لأن نوعية هذا الوجود هي التي تصنع الفارق الحقيقي.
إن ضل الحيطة لا يكذب ولا يخون ولا يقلل من شأن أحد، لا يجرح المشاعر ولا يهدم الثقة بالنفس، ولا يحول الأيام إلى ساحة من التوتر والقلق.
قد يكون رمزًا للوحدة، لكنه أحيانًا أيضًا رمز للسلام والهدوء والقدرة على التقاط الأنفاس بعيدًا عن العلاقات المؤذية التي تستنزف الروح قبل القلب.
الحياة علمتنا أن القيمة ليست في أن يكون بجانبك شخص ما، بل في أن يكون الشخص الصحيح. أما العلاقة التي تقوم على الخوف من الوحدة
أو الخضوع لضغط المجتمع أو القبول بما لا يليق فقط من أجل الهروب من لقب “وحيدة”، فهي علاقة تحمل بذور تعاستها منذ البداية.
فالإنسان لا يكتمل بوجود الآخرين فقط، وإنما يكتمل أولًا باحترامه لنفسه وإدراكه لما يستحقه.
الحفاظ على الكرامة ليس رفاهية
ولعل أجمل ما يمكن أن نتعلمه أن الوحدة ليست عيبًا، وأن الانتظار ليس هزيمة، وأن الحفاظ على الكرامة ليس رفاهية.
فبين ضل رجل يمنح الأمان والمحبة والاحترام، وضل حيطة، لا شك أن الأول نعمة عظيمة.
أما بين ضل حيطة وضل شخص يجلب الأذى والخذلان والانكسار، فقد يكون ضل الحيطة أكثر دفئًا وأقل قسوة وأكثر رحمة.
لهذا ربما حان الوقت لإعادة النظر في المثل القديم، فليس كل ضل راجل أفضل من ضل حيطة، لأن القيمة الحقيقية
لا تقاس بوجود شخص في حياتنا،
بل بما يتركه هذا الشخص في أرواحنا من سكينة وطمأنينة وكرامة. وعندما يغيب ذلك كله، يصبح ضل الحيطة أحيانًا خيارًا أكثر حكمة
من ألف ضل لا يمثل الأمان لأن الأمان يسبق الحب والمرأة إذا أطمئنت أحبت من قلبها ومنحت الكثير والكثير ….