الحج هو الركن الخامس من أركان الاسلام لقوله ﷺ : ” بني الإسلامُ على خمسٍ : شهادةِ أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ، وإقامِ الصلاة ، وإيتاءِ الزكاة ، وصومِ رمضانَ ، وحجِّ البيتِ لمنِ استطاعَ إليه سبيلا ، أما أعمال الحج فهى تبدأ بالإحرام من الميقات ، والذهاب إلى مكة لـ الطواف بالبيت الحرام طواف القدوم ، ثم التوجه إلى مشعر منًى لقضاء يوم التروية الذى يسبق وقفة عرفات ، ثم يتوجه إلى صعيد حبل عرفة لقضاء يوم عرفة ، وفى اليوم التالى يرمي الحاجُّ جمرة العقبة الكبرى ويتحلل الحاج من إحرامة ويذبح الهدى ، ويعود إلى مكة ليقوم بطواف الإفاضة ، ويعود إلى منى لقضاء أيام التشريق الثلاثة ، ويعود مرة أخرى إلى مكة ليقوم بطواف الوداع ومغادرة الأماكن المقدسة
يقول الله تعالى : ﴿ وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ }
ويقول : { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا } ، وأذَكر بأن الحج واجب على كل مسلم بالغ عاقل لديه الـ إستطاعه ” المادية ــ والبدنية” لـ آداء الفريضة مرة واحدة فى العمر . والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة كما روى عن النبى ﷺ .
الحمد لله الذى أكرمنى وشرفنى بآداء فريضة الحج ، وبزيارة بيته الحرام مرات عديدة ، وأدعوا الله أن يكتبها لكل مسلم مشتاق لـ حج بيته الحرام وآداء مناسك الحج والعمرة ، والحقيقة أن فى آداء فريضة الحج مشقة بالغة ، خاصة مع الأعداد المتزايدة كل عام . الحج يحتاج إلى مجهود بدنى وإلى صبر وجلد ، حتى وإن كانت المملكة قد وفرت كل سبل الراحة لحجيج بيت الله الحرام لـ آداء المناسك فى سهوله ويسر .
ودعونا نعود إلى الوراء قليلا ، قبل إختراع وسائل السفر الحديثة ، عندما كانت رحلة الحج محفوفة بالمخاطر ، لدرجة أنه كان هناك مثل شعبى يقول ” الذاهب إلى الحج مفقود .. والعائد منه مولود” ، كانت الدواب والجمال هى الوسيلة الوحيدة لـ آداء الفريضة ، ولم يكن عناء السفر فى البوادى والصحارى الذى يمتد لـ شهور ومايصاحبه من تقلبات جوية وعواصف وسيول وأمطار ولهيب الشمس الحارقة .. إلخ ، لم يكن وحده الذى يؤرق راحة الحجاج ، وإنما كانت قوافلهم عرضه للسلب والنهب من لصوص وقطاع الطرق . ولذلك كانت رحلة شاقة ومحفوفة بالمخاطر .
للحج فى عائلتنا ذكريات كثيرة ، كان أفراد عائلتى أبطالها سمعناها منهم ، وشاهدنا بعضا من مظاهرها ونحن أطفال . كان عمى ” الحاج أحمد عطالله ” رحمه الله ــ كبير العائلة ــ قد سافر إلى المملكة العربية السعودية فى وقت مبكر فى العام 1957م بعد العدوان الثلاثى على مصر بعام ، وقضى فيها أكثر من ” عشر سنوات ” يعمل فى مؤسسة ” إبراهيم الجفالى” التى تقوم بتوسعة الحرم المكى ، وقد حرص على إستقدام أسرته وعمى الذى يصغره ، وفى العام 1962م أدى والدى فريضة الحج ، والحقيقة أن العلاقات بين مصر والمملكة العربية السعودية وقتها لم تكن على مايرام ، على خلفية القوات التى إرسلها الرئيس جمال عبدالناصر إلى اليمن ، ولذلك كان هناك تضييق على الحجاج المصريين خشية أن يكون بينهم قوات خاصة أرسلها جمال عبدالناصر لـ إشاعة الفوضى فى المملكة .
السفر فى هذا التوقيت لـ آداء فريضه الحج كان ” بالباخرة ” التى أقلت الحجاج من ميناء السويس إلى ميناء جدة على البحر الأحمر ، وإستغرقت الرحلة ” ثلاثة أيام ” ، وهى تجربة مريحة مقارنة بمشقة السفر على الدواب ، حكى والدى عن ” الدلافين ” التى رافقت الباخرة على طول الرحلة ، آداء فريضة الحج فى هذا التوقيت كان يَعد له العدة والعتاد من الزاد والزواد سواء كان طعام يكفيه طوال فترة المناسك أو مايلزمه من ثياب .. وغيرها .
كان الحاج يودع أهله فى مايشبه الكرنفال الشعبى ، وهذا الشىء يعرفه أهالينا فى الدلتا والصعيد ، كان الحاج يركب راحلته المزينة بالثياب الخضراء فى موكب مهيب تزينه الرايات والأعلام ، مصحوبا بأغانى الحج والدفوف فى موكب يزور خلاله أولياء الله الصالحين . وبعد زيارة الأولياء يودع الحاج أهله وأقاربه وأصدقاءه ويكتب وصيته ويسافر .
وقبل عودة الحجاج من آداء مناسكهم يقوم الأهل بطلاء واجهة البيت الذى سوف يعود اليه الحاج سالما غانما مغفور الذنب بإذن الله ، وتزين الجدران بالآيات القرانية والنقوش والرسوم التى ترمز الى بيت الله الحرام وللمسجد النبوى . وكانت هناك مقتنيات يحرص الحاج عليها ، هذه المقتنيات كانت موجودة لدينا حصريا ؛ وهى عبارة عن ” الخُرج ” وتنطق بضم الخاء وتسكين الراء ، وهو مصنوع من صوف الغنم أو وبر الجمال وفيه يضع الحاج الزاد والزواد من المأكل والشراب .. وخلافه ، والحزام أو ” القايش ” الذى يلفه الحاج على الازار الذى يستر به خصره ما بين السرة والقدمين حتى لايسقط أثناء آداء المناسك ، وهو مصنوع من الجلد وفيه جيوب لحفظ المال ، وأخيرا ” الجبخانة ” وهى تشبه الشنط التى تعلق على الكتف حاليا ، وكان الحاج يضع فيها جواز سفره وأوراقه .. إلخ .
هذه المقتنيات ظلت موجودة فى بيتنا حتى وقت قريب جدا ، وكان كل من يكون له نصيب فى قرعة الحج يقصد بيتنا للحصول عليها . بالتأكيد تبدل الحال الآن تبعا لمقتضيات العصر الذى نعيش فيه ، وتبدل الكثير من الفولكلور الشعبى خاصة فى المدن ، وأعتقد أن هناك بقية باقية من هذه المظاهر موجودة فى بعض القرى .
بقى أن أعود وأشير للمرة الثانية إلى الجهد الغير عادى الذى تبذله المملكة العربية السعودية من أجل راحة الحجيج وآداء مناسكهم فى سهولة ويسر فى ظل الأعداد المليونية التى تؤدى الفريضة كل عام ، وقد قامت المملكة بتوسعة أماكن المشاعر وتهيئة كل سبل الراحة لضيوف الرحمن ، المملكة توسعت فى تطبيق التقنيات الحديثة والذكاء الإصطناعى ، والتطبيقات الذكية والخدمات الإلكترونية المتنوعة التى تيسر على قاصدي الحرمين الشريفين بشكل غير مسبوق .
الحقيقة أن ماتقوم به المملكة العربية السعودية تجربة تستحق الوقوف أمامها طويلا بالدراسة والتحليل لـ تعظيم الـ إستفاده منها ، ندعو الله أن يكتب لنا جميعا حج بيته المعمور .. وكل عام وأنتم بخير .