يبدو أن المجتمع بات يعاني حالة حادة من “أنيميا الوعي”، انعكست بوضوح في طريقة تعاطيه مع عدد من القضايا التي تتحول فجأة إلى معارك مفتوحة وانقسامات حادة يتدرج تفسيرها من حسن النية إلى نظريات المؤامرة، حتى يصبح النقاش العام أقرب إلى حالة استقطاب لا تنتهي!
وبين ظاهرة “الطيبات” وظاهرة “كلاب الشوارع” لا تبدو الأزمة في القضية نفسها بقدر ما تكمن في طريقة التفكير والتفاعل المجتمعي معها.
في الحالة الأولى، تبدو “فتنة الطيبات” نموذجًا صارخًا للصراع المزمن بين العلم والخرافة، أو على الأقل بين المنهج العلمي والانطباعات الشخصية. فقد أفرزت هذه الظاهرة أكثر من اتجاه داخل المجتمع:
– الأول ينطلق من منطق العلم القائم على التجارب والأبحاث والنتائج المتراكمة عبر سنوات طويلة من الدراسة، ويرى أن الدواء ليس رفاهية أو خيارًا شخصيًا في كثير من الحالات المرضية، بل ضرورة قد تتوقف عليها الحياة نفسها. ويستند أصحاب هذا الرأي إلى وقائع لا تقبل الجدل؛ فمريض الجلطة أو الغيبوبة السكرية، على سبيل المثال، لا يمكن إنقاذه بالنصائح أو الأنظمة البديلة، بل يحتاج إلى تدخل دوائي سريع وحاسم ينقذ حياته في اللحظة المناسبة.
– الثاني يرى أن نظام “الطيبات” يمثل ثورة علاجية يمكنها الاستغناء عن الأدوية التقليدية، مهما كانت النتائج أو التحذيرات. ويستند أصحاب هذا الرأي إلى شهادات وتجارب شخصية لأشخاص أعلنوا تحسنهم بعد اتباع هذا النظام، دون الالتفات بالقدر نفسه إلى شهادات أخرى لأشخاص امتنعوا عن تناول الدواء ودفعوا حياتهم ثمنًا لذلك. وهنا تصبح التجربة الفردية، لدى البعض، أقوى من البحث العلمي نفسه.
– أما الاتجاه الثالث، فقد ذهب بعيدًا نحو تفسير أكثر إثارة، حين اعتبر أن نظام “الطيبات” أربك حسابات شركات الأدوية العالمية، وهدد مصالحها الاقتصادية ما دفع – وفق هذا التصور – إلى استهداف صاحب الفكرة والتخلص منه!
غير أن هذا التصور يتجاهل حقيقة بسيطة وهي أن عدد من اتبعوا أو قد يتبعون هذا النظام لا يمثل نسبة مؤثرة بأي معيار داخل سوق الدواء العالمي، بما يجعل فرضية المؤامرة تبدو أقرب إلى التبرير العاطفي منها إلى التحليل المنطقي!
ورغم كل هذا الجدل تظل هناك حقيقة لا يمكن تجاوزها وهي أن اختيار أي نظام علاجي في النهاية يقع على عاتق الفرد نفسه، وأن تبعات هذا القرار سلبًا أو إيجابًا يتحملها الشخص وحده.
لكن الأزمة الحقيقية ليست في الاختيار الفردي بل في تحويل شأن شخصي إلى معركة مجتمعية واسعة يصطف فيها الناس بين مدافع ومهاجم وكأن الجميع بات مسؤولًا عن خيارات الآخرين!
غير أن القضية الأكثر أهمية وربما الأخطر هي ما تكشفه هذه الظواهر من خلل في أولويات النقاش العام.. ففي الوقت الذي تواجه فيه المجتمعات تحديات اقتصادية وتعليمية وثقافية أكثر تعقيدًا، نجد أنفسنا غارقين في جدالات لا تنتهي، حتى تطفو قضية جديدة على السطح فتبتلع سابقتها ويبدأ فصل جديد من الجدل والاستقطاب
الأمر ذاته يتكرر فيما يمكن تسميته ب ” فتنة كلاب الشوارع”، التي انقسم حولها المجتمع بدوره إلى فريقين متعارضين.
الفريق الأول يرى أن هناك سلوكًا متزايدًا يجري تحت شعار الرفق بالحيوان، يتمثل في إطعام كلاب الشوارع أطعمة مصنعة أو لحوم نيئة بصورة منتظمة، وهو ما يعتبره البعض خصوصا البيطريون سببًا في تغير سلوك هذه الحيوانات وتحولها تدريجيًا إلى نمط أكثر شراسة، فضلًا عن إحداث خلل في التوازن البيئي المعتاد، بعدما كانت تعتمد على بقايا الطعام المطهو المنتشر في الشوارع ومحيط صناديق القمامة.
أما الفريق الثاني فيتعامل مع القضية من زاوية الأمن المجتمعي، معتبرًا أن انتشار تجمعات كبيرة من كلاب الشوارع بات يمثل مصدر خوف حقيقي للأطفال والمارة، خصوصًا مع تزايد الفيديوهات التي تظهر مجموعات كبيرة من الكلاب تتحرك معًا في الشوارع، وما يصاحب ذلك من نباح متواصل وسلوك يراه البعض مهددًا للسلامة العامة، ويرى هذا الفريق أن الرفق بالحيوان لا ينبغي أن يأتي على حساب حق الإنسان في الأمان، كما يعتبر أن غياب تدخل حاسم لمعالجة الظاهرة قد يؤدي إلى تفاقمها نتيجة التكاثر السريع.
وبعيدًا عن تفاصيل الجدل نفسه، تبقى الحقيقة أن انتشار كلاب الشوارع بصورة واسعة لا يعكس مشهدًا حضاريًا، خاصة مع تداول الصور والفيديوهات في مناطق حيوية وسياحية، وهو ما قد يترك انطباعات سلبية تتجاوز الداخل إلى صورة الدولة في الخارج.
الخلاصة أن البعض قد يعتبر هذه القضايا هامشية أو غير جديرة بالنقاش، لكن ما يدور حولها يكشف خللًا أعمق يستحق التوقف أمامه. فالمشكلة لم تعد فقط في “الطيبات” أو “كلاب الشوارع”، وإنما في مجتمع بات سريع الانقسام.. سريع التصديق.. وسريع الانشغال بمعارك جانبية بينما الأسئلة الكبرى ما زالت تنتظر إجابات أكثر إلحاحًا وعقلانية.