محمد نبيل محمد يكتب :الصورة الذهنية لنصر أكتوبر وهزيمة كيبور 29
جولدا:"جنازات عسكرية يوميا لقتلانا العائدين من سيناء"

“وفى كل يوم تقريبا كانت هناك جنازات عسكرية للذين قتلوا فى سيناء، ثم عُثر على جثثهم المتفحمة مؤخرًا، وتم التعرف عليهم” ذاك من أعذب اعترافات جولدا الذى يُطرب القلوب ـ ويشف غِلّها ـ ويُشنف الآذان، هل من الممكن أن تقدم الآداب النظمية والنثرية حبرًا ومدادا على صفحات الدوواوين والروايات والصحف والمؤلفات، والفنون المتلفزة والسينمائية ومضًا بالعدسات، وتجسيدا ـ حيًا ـ على المسرح، وترددًا عبر الأثير بالإذاعات، ورسمًا بالألوان على اللوحات والجداريات وعزفا بالأوتار.. وكل أشكال الإبداع لهذا الإعتراف الموثق لجولدا عن أسراها الأحياء الباكيين كالأطفال، وغيرهم من الموتى المتفحميين فى صناديقهم المدرعة، تلك حالة من الصدق لا تتكرر كثيرًا، وربما على الإطلاق فى الواقع الصهيونى، لأنهم يكذبون كما يتنفسون، واحترفوا الباطل، كما احترفوا البغاء والربا (راجع، محمد عبد الوهاب المسيرى 1938 – 2008 فى “موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية” وتضمن إطاره التفسيرى لـ “الجماعات الوظيفية اليهودية” فكرة أن اليهود فى أوروبا اتجهوا نحو مهن محددة مثل الربا والبغاء)..فالاعتراف هنا استثناء يجب التقاطه، وعدم التخلى عنه، لأنهم هم من سيسعون ـ كدًا وجدًا ـ لنكرانه ومحوه من الذاكرة الإنسانية.
لكن هناك زاوية غير زاويتى السياسة والعسكرية فى اعترافات جولدا من المهم بالضرورة القصوى الإشارة إليها، فهذه المرأة لم تغفل حال الشعب اليهودى داخل الكيان، وعلى مدار اعترافاتها كانت تقدمه فى موقف اللأئم والمُعاتب للحكومة وللجيش على التقصير، التقصير فى كل شىء، فى السياسة وعدم مصراحة الشعب بحقيقة مجريات الحرب على الجبهة الجنوبية”سيناء” التى كانت مغايرة لتوقعات الشعب والصورة الذهنية التى بناها عبر ما تقدمه له الحكومة من أكاذيب عن جيشه الذى لا يُقهر، وعن أن المصريين “جثة هامدة” لا أمل فى بعث الحياة فيها من جديد، ولا نوايا عدائية منها، وأيضا كان العتاب للهزيمة ـ المُذلة ـ عسكريًا لأولادهم الذى تم اقتيادهم لمحارق مُهلكة لا أمل فى النجاة منها، وأيضًا كان للشعب نصيب وافر من اعترافات جولدا، فقالت:”المزاج العام فى اسرائيل كان سوداويا”وتستطرد:”انطلقت الصيحات من كل قطاعات الشعب تطالب الحكومة بالاستقالة” وعن عدم الاستعداد للمعركة، وعن حال الشعب اليهودى تعترف:”الاتهامات بأن حالة الاستعداد الضعيفة لدى الجيش كانت نتيجة لاخطاء القيادة والإهمال وإنعدام الاتصال بين الحكومة والشعب”.. وهنا من الواجب العروج على ادعاءات الكيان أمام العالم من أنه المناخ الوحيد الذى يتنفس الديمقراطية فى المنطقة العربية، وأن الشفافية وحرية تبادل المعلومات، وحقوق المعرفة من أساسيات الممارسات السياسية الداخلية لحكومات الكيان مع شعبها، كل هذا كان هو أيضا كذب، وضلال، ومتاجرة لإبتزاز الغرب الديمقراطى، وتمويلاتهم، وتبرعاتهم، وتأييدهم السياسى، ودعمهم الإقتصادى، كل هذا كان مجرد كذب، فلا ديمقراطية فى الكيان، ولا قوة لجيش الدفاع، ولا انتصار حقيقى فى مواجهة حقيقية.
وتعترف جولدا:”وقامت عدة حركات احتجاج”وتستطرد:”كانت تشترك فى مطلب واحد هو التغيير” وعلى الرغم من دفاع جولدا عن موقفها السياسى ـ من باب استمراها فى الخداع والكذب ـ إلا أنها قد تفلتت منها بعض الاعترافات التى من نوع:”وكنت اختلف مع الكثير مما قالوه عن الماضى، لكن بعض ما قالوه كان صحيحا” هى هنا تعترض عن إجمال النقد واللوم على الحكومة كاملة، لأنها رئيستها، لكنها تتفق فى صحة بعض النقد، وهذا الذى موجه للمؤسسة العسكرية، لأنه يزيل عنها بعض التقصير أمام الشعب اليهودى والتاريخ، ويوجه اللوم والتقصير مباشرة صوب موشيه دايان ورجاله، الذين وصفتهم بأنهم “كانوا يبكون كالأطفال”!.
تحاول جولدا ان تلتقى ـ كما تسرد ـ بهؤلاء الحانقين من طبقات الشعب على الحكومة والجيش، وتتحدث معهم كسياسية تراوغ وتمتص الغضب، وتعترف:”حاولت أن أسهل لهم الحديث معى، وتكوَن لدىّ الإنطباع بأنهم قد فوجئوا بالفرق بين هذه المرأة التى تستمع إليهم بإهتمام، وبين الصورة التى كونوها عنى”..هى تدافع عن جولدا فقط، وليذهب الجيش إلى الجحيم فى أعين الشعب اليهودى، وبين سرديات التاريخ، كما ذهب لجحيم الجنوب “سيناء”إنما المهم هو أن تحفظ جولدا لذاتها صورة البطلة اليهودية التى رسختها فى وجدان شعبها، هى تحاول النجاة من مركب غارقة لامحال، والكثير من مرارة الإعتراف سيأتى ذكره تاليًا إن شاء الله.