عبد الناصر البنا يكتب : ذكريات .. من زمن فات !!

عبد الناصر البنا
وأنا فى طريق عودتى إلى البيت عبر الطريق الدائرى الإقليمى ، أدرت مؤشر الراديو على أثير إذاعة الأغانى التى كانت تذيع سهرة خاصـــة عنوانها ” أغنيات من زمن فات ” .. الحقيقة أن إسم السهرة وحده كان كافيا لجذب إنتباهى لـ الحنين إلى الماضى .
الجميل فى هذه السهرة أنها كانت سهرة خاصة تجمع بين الثنائى خفيف الظل ( الفنان سيد مكاوي ــ والشاعر الكبير صلاح جاهين ) ، ومعروف عنهما أنهما شكّلا ثنائيًا فنيًا وإبداعيًا فريدًا في تاريخ الفن المصري ، ثنائى إمتزجت فيه الصداقة القوية مع خفة الدم الغير عادية ، ولعجائب القدر أن يرحل مكاوى فى نفس يوم رحيل جاهين ولكن بفارق 11 عام !!
ولك أن تتخيل سهرة مثل هذه توفرت فيها كل عناصر النجاح بدءا من صوت المذيعه الدافىء الرخيم ، وللأسف فاتنى معرفة إسمها فى نهاية الحلقة ، إلى جانب الإبداع فى المونتاج والتقطيع المتوازى بين أعمال سيد مكاوى الإبداعية وشهادات بصوت من تعامل معهم ومنهم إبنته د. إيناس مكاوى ، وشهادات بصوت الشاعر صلاح جاهين ، وسيد مكاوى نفسه ، حاجة فى غاية الروعة والجمال فى إيقاع سريع متناغم يخطف العقل والقلب !!
تناولت السهرة بدايات الفنان سيد مكاوى الملقب ب “شيخ الملحنين ” فى حى الناصرية بالسيدة زينب وحفظه لكتاب الله ، وبداياته مع الإنشاد الدينى ، والعزف على آله العود ، وإهتمامة بالغناء إلى أن تم إعتماده كمطرب فى الإذاعة المصرية ، وبدأت الإذاعة تتعامل معه كملحن وأسندت له الأغانى الدينية ، وقدم للإذاعة عدد كبير جدا من الأغانى الوطنية والدينية .
المحطة الثانيـــة كانت علاقة الفنان سيد مكاوى بالشاعر صلاح جاهين ، وهى علاقة كما قالت كريمته [ أميرة ] كانت أعمق من العمل ، ويكفى أن هذا الثنائى كان مثالا للتعاون الفنى الذى يرى فيه النقاد أنه يمزج بين الكلمة العامية الراقية واللحن الشعبي الأصيل ، ولك أن تتخيل خفة دم صلاح جاهين فى كلمات أوبريت ” الليلة الكبيرة ” كعمل ملحمى يجسد الموالد الشعبية فى مصر ، مع الحان وغناء سيد مكاوى ، حاجة أبعد من الخيال ، وتتحول الليلة الكبيرة إلى شاشة التليفزيون ، لـ يخلدها الزمن كونها أيقونة تؤرخ لمرحلة بعينها ، إلى جانب رباعيات صلاح جاهين الشهيرة التى لحنها سيد مكاوى وغناها بنفسه بكل مافيها من تعبير عن فلسفة الحياة .
أما أغنيـــة ” الأرض بتتكلم عربى ” فهى إحدى الروائع الخالدة للفنان سيد مكاوى التى ألفها الشاعر فؤاد حداد والتى تعد نقله نوعيه فى عالم التلحين ، والتى يرى النقاد فيها أنها واحدة من أبرز الأعمال الوطنية القومية التي تجاوزت كونها أغنية عابرة لتصبح وثيقة فنية وفلسفية تعبر عن الهوية العربية والمقاومة ، تعود الأغنيــة إلى العام 1967 ، عقب نكسة يونيو ، وكان لها مفعول السحر في رفع الروح المعنوية . مرورا بحكايته مع ” المسحراتى ” كونه أشهر مسحراتى فى ج.م.ع ، وقد بدأت بحلقة مع صلاح شاهين ثم تركة لـ ” فؤاد حداد” ولعل الصورة التى إنطبعت فى أذهاننا عن المسحراتى كانت للشيخ سيد مكاوى بالجلابية والطبله .
أما علاقة سيد مكاوى بسيدة الغناء العربى أم كلثوم فكانت علاقة شديدة الإنسانية لدرجة أنها إعتبرته واحدا من أقرب المقربين إليها كونه من ( آل البيت ) ، عشرات المواقف الطريفة والإنسانية التى جمعت بين مكاوى وأم كلثوم ، وكان أول لقاء يجمع بينهما ، وهو فى العشرين من عمره عندما لحن لها مقدمة أغنيــة ” أنساك ” وبعدها إتصل بالست وقال لها ” أنا هاخد كام فى اللحن دا ” وجاء الرد مش كفايه أن ام كلثوم هى إللى هتغيه .. إلخ
لحن سيد مكاوى بعدها لأم كلثوم ” يامسهرنى ” ولم يمهلها القدر لغناء ” أوقاتى بتحلو ” التى أبدعت فبها وردة وغناها سيد مكاوى أيضا بصوته . كان سيد مكاوى هو صاحب فكرة عمل تترات غنائية للمسلسلات الإذاعية وأجاد فيها لحنا وغناءا حتى أنه غنى أسماء الفنانين المشاركين فى العمل .. ومن شدة جمال السهرة وتفردها وتميزها إنتهى الوقت فى لمح البصر ، لـ يفتح بابا كبيرا لعشرات الأسئلة التى دارت فى الذاكرة لقد كان هذا جزءا من ذكريات زمن فات .. ياترى بعد أن يولى الزمن الذى نعيش فيه الآن ماذا سيبقى من ذكريات فيه ؟
أو ماهو التراث الذى سوف يتركة هذا الزمن للأجيال القادمة ؟
الحمد لله أننا من جيل إستطاع أن يلحق ببواقى هذا الزمن الجميل أو على الأقل عاصرنا بعضا من هؤلاء العظماء ، وقد كتبت سابقا أنه من حسن الطالع أن أمثالنا كانوا من أهل الريف ، والمعروف عن أهل الريف والقرى أنهم أصحاب الحظ الوافر فى الثقافة والمعرفة بحكم النشأة التى تفتقر إلى وسائل الترفيه ، فكان الإهتمام كله ينصب على العلم والمعرفة ، تثقفنا على الإذاعة المصرية بأعمالها المتميزة سواء ماقدمته من أغانى أو سهرات إذاعية أو صور غنائية ، وكذلك أعمال درامية مازالت عالقة فى الوجدان ، وإلا من ينسى ( ًسمار الليالى ــ قطوف الأدب من كلام العرب ـ كتاب عربى علُم العالم ـ حول الأسرة البيضاء ـ زيارة إلى مكتبة فلان ـ ساعة لقلبك ــ على الناصية ــ ملتقى الأحبة .. وغيرها من الأعمال الخالدة ) ؟ .
من ينسى سهرات شاعر الربابة ” جابر أبو حسين ” والأبنودى ، وسهرات كوكب الشرق أم كلثوم ، من ينسى هذا الصندوق العجيب ” التليفزيون ” الأبيض وأسود والإلتفاف حول مباريات كرة القدم بين الأهلى والزمالك مع تعليق الكابتن محمد لطيف ـ ويوم الاحد ” اليوم المفتوح ” وسهرات الربيع مع ملك العود فريد الأطرش ـ وروائع الفن السابع ، وأغانى نجاة وفايزة ووردة وبرامج ” عالم البحار ـ العلم والإيمان بالتتـــر الذى يخطف العقل كل يوم أربعاء ـ بخلاف عالم الحيوان وجولة الكاميرا ونادى السينما وإخترنا لك والعالم يغنى حتى برامج الأطفال التى كان ينتظرها الكبار قبل الصغار كل يوم جمعة قبل الصلاة ، وسينما الأطفال .
وإن كنت وافر الحظ مثلى ولك أخ كبير مثقف وإمتلأ بيتكم بالصحف المصرية اليوميه والكتاب الطبى وروزا ليوسف وصباح الخير ومجلة العربى ، ومكتبة عامرة تحتوى على عبقريات العقاد وأعماله الإبداعية ، إلى جانب مؤلفات نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم ويوسف إدريس وأنيس منصور وصلاح عبدالصبوا وأعمال فاروق شوشة ونزار قبانى وعبدالرحمن الشرقاوى وإحسان عبدالقدوس .. وغيرهم . إلى جانب مكتبة موسيقية فيها كل أشرطة عبدالوهاب وأم كلثوم وفيروز وفريد ونجاة وفايزة ووردة . إلخ
وأخيرا فأنا لا أجد ما أختتم به كلامى غير بعضا من أغنية كتب كلماتها الشاعر أحمد رامى ولحنها الموسيقار رياض السنباطة وغنتها أم كلثوم (ذكرياتٌ عبرتْ أفقَ خيالي. بارق يلمعُ فى جنحِ الليالي. نبَّهتْ قلبِيَ من غفوتِهِ. وجَلَتْ لي سِتْرَ أيامي الخَوالي. كيفَ أنساها وقلبي لمْ يزلْ يسكُنُ جنبي. إنَّها قصةُ حبِّي )
دمتم فى أمان الله .
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.