الكاتب الصحفي عبدالرازق توفيق يكتب :” الإصلاح ” .. المطلوب بشكل عاجل

هو ايه المشكلة أن يتحلى الأب والأم عقب الطلاق بالإنسانية والرحمة، والاحترام المتبادل والمودة رغم الانفصال، هو ايه المشكلة أن الرجل يرى أولاده فى أى وقت يرغب فيه، وتستمر العلاقة معهم قوية؟، وإيه المشكلة أن يكون الأب إنساناً بمعنى الكلمة يدرك معنى الأبوة ومسئولياتها ومتطلباتها يتكفل بمصاريف واحتياجات أبنائه، ليس بحكم محكمة ولكن امتثالاً لمتطلبات الأبوة والرجولة والأخلاق الحميدة لماذا لا تستمر المودة، والاحترام المتبادل بين الأب والأم بعد الطلاق بدلاً من الانتقام والتشفى ومحاولات إذلال كل طرف للآخر، وما نراه من تعنت وقسوة؟، لماذا لا يدرك الأب والأم أن ضحية لغة الانتقام وتصفية الحسابات هم الأبناء ولماذا لا يضعان فى الاعتبار مستقبل هؤلاء الصغار، وتكوينهم النفسي، ولماذا يحرمان من عطاء إنسانى سليم وفطرى من الأب والأم؟!
الحقيقة أنه إذا كانت هناك نماذج سلبية تسيء للرجولة والأبوة والأمومة، إلا أن هناك نماذج مثالية، رغم الانفصال، إلا أن الاحترام المتبادل مازال موجوداً، الأب لا يذكر طليقته إلا بكل الخير والاحترام، ولم تصدر منه إساءة تجاه أم أولاده ولا يؤخر طلباً لأبنائه، ويتكفل بمتطلباتهم ومصروفاتهم واحتياجاتهم طواعية، ولا يبخل عليهم بأى شيء، ويحافظ على نفس مستوى الحياة لهم وشديد الالتزام والحنان على أبنائه، ويتمسك باحترام طليقته وربما يقدم المساعدة لها بفروسية ومروءة، الأم المطلقة من ناحيتها، دائمة الحديث باحترام عن والد أبنائها، وتعدد محاسنه، وتتحدث عن إنسانيته وجدعنته، السؤال الذى يجب أن نطرحه بالفارق الجوهرى بين هذا الأب والأم وما يمارسانه من انتقام وتشفى متبادل، وإقحام الأبناء فى دائرة لا تنتهى من الصراع والمشاكل والأزمات النفسية والأب والأم اللذان اختارا طريق الاحترام المتبادل والعطاء السخى للأبناء، وإدراك أن مستقبلهم هو ثروتهما الحقيقية، وأن وقوع الطلاق والانفصال لا يعنى الانتقام والتشفى والامتناع عن التكفل بمصروفات واحتياجات الأبناء، أو التعنت فى تمكين الأب لرؤية أبنائه، هذا النموذج المثالي، يعبر عن الكتالوج الإنساني، والسؤال هنا التربية الصحيحة، أهم أم القوانين؟ الحقيقة أنهما فى منتهى الأهمية، فضبط إيقاع المجتمع لا يجرى إلا بقوانين صارمة ومحددة، وواضحة لكنى هنا أركز على أمر مهم هو دور التربية والتنشئة فى سلوك الأب والأم بعد وقوع الطلاق والانفصال هل لها دور فيما يحدث من قسوة، وأنانية وانتهازية وإساءة للإنسانية والأبوة والرجولة أو الأمومة، أو دور فى روعة التفانى والإنسانية والمسئولية والعطاء والاحترام من الأب والأم عقب الانفصال، هل دور التربية والتنشئة، والأخلاق الرفيعة أهم من القوانين؟ وإذا كان ذلك ماذا فعلنا فى تشكيل وعى ووجدان وسلوك وتربية الأبناء منذ الصغر وهم الذين سيصبحون بعد ذلك أزواجاً وزوجات وآباء وأمهات هل هناك خلل وقصور حاد فى أداء مؤسسات التربية والتنشئة والوعي، سواء الأسرة والمؤسسات الدينية والتعليمية، هل تحتاج إلى تجديد الخطاب المجتمعى والتربوى والدينى فيما يتعلق بالمعاملات والأخلاق ومنظومة القيم، هل ركزنا على قضايا تافهة وسطحية وتركنا وأغفلنا تحدياتنا وأزماتنا الحقيقية، وقضايانا المهمة؟ هل انشغلت الأسرة المصرية فى أمور أخرى وتركت الأبناء لوسائل التكنولوجيا والاتصال الحديثة والسوشيال ميديا، أهملت دورها فى بناء وعى وتشكيل وجدان وغرس القيم والأخلاق الدينية، والمبادئ المصرية التى تربينا عليها، من رحمة وإنسانية وأمانة وعطاء ومسئولية، وذهب الأبناء إلى محتوى ومضامين وثقافات غريبة وشاذة.. هل انعكست أطلال وآثار وتداعيات الأزمات والصراعات والحروب المتلاحقة والتى لا تنتهى وما لها من تأثيرات وضغوط اقتصادية مؤلمة ليست على مصر وحدها بل العالم خاصة أن هذا العالم بات مثل الجسد الواحد، إذا شعر بالحمى تداعت له سائر الأعضاء أو الدول، وباتت تكاليف الحياة ومصاريف الأبناء والتعليم وما يدور فى الفلك الفضائى والإلكترونى من إعلانات عن حياة أخرى يعيشها الأثرياء حيث القصور والفيلات والسيارات الفارهة والمنتجعات، وهو ما يحدث ضيقاً واختناقاً لدى قطاع كبير من الناس يتطلعون إلى مثل هذا النوع من الحياة الذى يتناقض مع قدراتهم، ويحدث اختناقاً بين الزوج وزوجته والأب وأبنائه لتتسع الهوة.
كيف نعيد للأسرة مسارها ودورها الحقيقي، وكيف نستعيد رسالة المدرسة والجامعة التى كانت قبلة للتربية والتنشئة الصحيحة ومصدراً للأخلاق والبناء الإنسانى القويم والاحترام للكبير والرحمة بالصغير وهذه المبادئ والقيم لا تتعلق فقط بالعلاقات الأسرية أو قوانين الأحوال الشخصية أو سلوكيات وممارسات ما بعد الطلاق أو الجرائم التى تأتى نتيجة لذلك ولكن ترتبط بشكل مباشر بأسباب الجرائم الأخيرة التى وقعت فى الفترة الأخيرة، لذلك هناك نواقيس خطر تدق، تتعلق بالتصدى ومجابهة هذا النوع من التربية والتنشئة وإيقاظ دور المؤسسات التربوية والدينية والإعلامية بشكل يرتكز على وعى وتشخيص دقيق لما يحدث وإدراك وتحديد أسبابه وما هى سبل العلاج والوقاية، ومن أين تبدأ الحقيقة إن ما جرى من جرائم عائلية، أو ما بعد الطلاق أو الانتقام الأسرى المتبادل جانب كبير منه يعود إلى نقص حاد فى الوعى الديني، والإيمان الصحيح، فالزواج فى الإسلام والأديان مبنى على المودة والرحمة، والقرآن الكريم يقول، «لا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا» وليس من الدين، لغة الانتقام المتبادلة، وظلم وحرمان الأبناء، والتشفى بين الأب والأم. وليس من الدين أو الرجولة والإنسانية امتناع الأب رغم قدرته المالية عن الإنفاق على أبنائه لا يجب أن ندفن رءوسنا فى الرمال، بل نرفع مشاعل المواجهة والإصلاح، هناك نقص حاد فى التربية والتنشئة والقيم الأخلاقية التى يتميز بها مجتمعنا، ليس فقط فى العلاقات والمشاكل والأزمات الأسرية، ولكن فى الجشع والاحتكار والمغالاة، والعنف اللفظي، والمخدرات، والبلطجة، والفساد، والرشوة وحجب مصالح الناس من أجل الحصول على مقابل، والتحرش وغيرها، وإذا كانت سلوكيات أو جرائم وقعت مؤخراً، تدق ناقوس الخطر وتدفعنا إلى المواجهة، لكن ذلك يتطلب ألا يفتر الحماس وأن تكون هناك إرادة صلبة لمواصلة إصلاح منظومات التربية والأخلاق.
الرئيس عبدالفتاح السيسى بادر على الفور بإصدار توجيهاته للحكومة بسرعة تقديم قوانين الأسرة للبرلمان وسرعة إصدارها لمواجهة هذه التحديات والمخاطر الأسرية والمجتمعية لتحقيق العدالة، وحماية الأبناء، وإنصاف طرفى العلاقة.
تحيا مصر